
الغلاء .. تحديات اقتصادية ومعالجات حكومية
الغلاء .. تحديات اقتصادية ومعالجات حكومية
تقرير: الهضيبي يس
من أبرز ملامح الأيام الماضية، التي أضحت ترتسم على وجوه الناس في السودان، وبشكل به قدر من الحزن واليأس، وهم في حيرة من أمرهم، بفعل تمدد غول الغلاء الذي بات يشعل جيوبهم دون اكتراث لأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية. هذا الغول عزاه رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، إلى وجود ثلة صغيرة من المستنفعين وتجار المضاربات على السلع الاستراتيجية والأساسية، ظلوا وعلى مر الوقت يقفون وراء استهداف السودانيين في قوتهم اليومي، مؤكداً أنهم سيقومون باتخاذ عدة إجراءات واستصدار قرارات لمجابهة الغلاء، ولن يتركوا الشعب السوداني وحيداً، قاطعاً بأن الحرب باتت اقتصادية حتى يخنع الجيش ويذهب نحو توقيع اتفاق قد يكون غير مُرضٍ لقطاعات كبيرة من المواطنين.
بالمقابل، لم يتوانَ الدولار في تخطي حاجز 5 آلاف جنيه سوداني، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على السلع الأساسية التي تضاعف سعرها ما بين 150 – 200٪، مع ارتفاع مستويات التضخم إلى 400٪، وهو ما جعل أبرز السلع مثل الوقود والدواء والغاز والسكر تقفز وصولاً لأرقام وُصفت بالمزعجة وفوق طاقة السودانيين، ووسط فراغ كبير بسبب غياب عناصر العمل وما لحق بهم من دمار وخراب بفعل الحرب.
ومن أهم المعالجات التي كادت أن تسارع بها الحكومة مد خطوط استيراد بعض السلع الأساسية لعدد من الشركات التابعة لها، ومنحها صلاحية الاستيراد، وهو ما لعب دوراً بواقع 70٪ في تخفيف الأزمة ومواجهة شركات القطاع الخاص التي لم تتجاوز (4) فقط، وقامت في أوقات سابقة بدخول السوق السوداني وشراء (الدولار) مما زاد مستويات الطلب وأدى بدوره لارتفاع السعر، مما أثر على القيمة الشرائية بالنسبة للسلع الأساسية.
بدورها، خلفت الأزمة إحساساً بالخوف لدى مئات الأسر حال مضت الأوضاع كما هي عليه الآن، فمن الأفضل عدم الاستعجال والتريث بشأن اتخاذ قرار العودة للسودان، حيث تحتل مصر المرتبة الأغلى من حيث وجود السودانيين اللاجئين بواقع يفوق 3 ملايين شخص، بينما ذكرت منظمة الهجرة الدولية عودة 4 ملايين مواطن سوداني لديارهم خلال الستة أشهر الماضية، عقب تحسن الأوضاع الأمنية ببلادهم.
بينما نجد أن الغلاء دفع السودانيين للتفكير نحو البحث عن اتجاهات عدة بدائل فيما يختص بشأن الغذاء، سيما عقب ارتفاع قيمة الخبز عالياً، فمن أهم تلك البدائل تغيير النمط الغذائي واستبدال الخبز كصنف غذائي في المائدة السودانية بمجموعة من النشويات، سواء (الأرز ومستخلصات الدقيق كالمكرونة)، فاللجوء لهذا الخيار لطالما يعزوه البعض لارتفاع قيمة الغذاء في السودان، بخلاف التدافع نحو محال العطارة بحثاً عن الأدوية البديلة العشبية، والتي تعتبر أقل تكلفة لعلاج الأمراض.
ويؤكد الكاتب السياسي والمحلل الاقتصادي عاصم إسماعيل أن الاقتصاد يعتبر أحد الأدوات المستخدمة في أي نزاع مسلح، ومؤخراً لم تتوافق الولايات المتحدة الأمريكية مع إيران على إيقاف الحرب دون وضع الاقتصاد على قائمة المفاوضات وقيمة الخسائر التي خلفتها الحرب جراء الحرب، إذن هو أحد أهم الوسائل في تحقيق أي انتصار سياسي وعسكري.
ووفق التوقعات والمؤشرات الإقليمية والدولية، فإن الاقتصاد السوداني كان يُتوقع له الانهيار منذ العام الأول للحرب، ولكن ساهمت عدة عوامل في إحداث قدر من التحول، بدأ بأن اللاجئين الذين آثروا الفرار من الحرب، جل الاعتماد تمثل على توفر ما يُعرف برافعة خارجية، وهو مساهمة المغتربين بواقع يفوق (90٪) في دعم تلك الأسر، كذلك قضية الجوع والتي لطالما لوّحت بها منظمات المجتمع الدولي، استطاع الشعب السوداني عن طريق ما عُرف بالتكاتف الاجتماعي وخلق جملة مبادرات، صنعت واقعاً مختلفاً، وتُعتبر تجربة التكايا أحد أهم مظاهر الحرب في العاصمة الخرطوم وبقية المدن السودانية.
ويضيف عاصم: وقطعاً هذا لا يعني عدم وجود تحديات وتعقيدات ومشاكل عملت على خلق تشوهات للاقتصاد السوداني، بدءاً من انعدام وجود أي رؤية لإدارة الملف خلال (3) سنوات الماضية من عمر الحرب، باعتبار أن أهم موارد الدولة تتضمن الزراعة والمعادن (الذهب) والمساعدات الخارجية، والتي كثيراً ما لم تتجاوز 30٪ من حجم الاحتياجات لدى السكان من توفير خدمات المياه والصحة والكهرباء. حيث ما يزال الذهب يُهرّب عبر الحدود السودانية، وهو أمر غاية في الأسف ويفيد الدولة كثيراً بمرور الوقت، أيضاً خطة ما بعد (الحرب) تغيب عنها الشراكات مع القطاع الخاص، فهو يتخوف وسط انكماش حجم الجنيه السوداني وفقدان قيمته الأساسية مع توالي التضخم وغياب جملة التسهيلات التي وعدت بها الدولة.
علاوة على أن ضرورة الإجابة على سؤال: ما هو طبيعة الاقتصاد السوداني الآن، وما هي السبل الأساسية للاعتماد لتلافي تصاعد وتيرة التحديات؟ ففي تقديري يتصل الأمر بدعم (الزراعة) – لتحقيق قدر كبير من الاكتفاء الذاتي في الغذاء، كذلك نحن نحتاج لرسم منهج يتصل بنوع الشركات مع تحديد أبرز وأهم فرص التمويل بعيدة المدى، فمتى ما استطاعت الحكومة إبرام اتفاقيات مع دول لها قدرة اقتصادية وتكنولوجية لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، بتركيز على قطاع الزراعة والكهرباء، وقتها يمكن تجاوز 60٪ من حجم التحديات.
وزاد: وبالتأكيد يشكل وجود سوق موازٍ لبيع العملات أحد أهم تحديات الدولة، ما يتطلب توجه الحكومة نحو توسعة فكرة المحافظ والتحويلات الخارجية، ووضع سمات تشجيعية لذلك تساعد على خلق قدر من الثقة في مؤسسات السودان الاقتصادية مثل البنوك، مع الإعلان عن إعفاءات ضريبية مصحوبة بقرارات يقف على تنفيذها مسؤولو الدولة.
سياسياً، تظل أزمة (الحرب) أحد معضلات وتعقيدات الاقتصاد الأساسية، مما أفقد السودان أحد أهم أضلاع الاقتصاد، وهو إنتاج الثروة الحيوانية في غرب السودان، بواقع يفوق سنوياً مليون و500 رأس من الماشية، مع توقف حركة العديد من السلع والمحاصيل مثل الذرة والسمسم والبصل ناحية دول الجوار السوداني باتجاه غرب أفريقيا، وهو ما شكل فقدان عائد سنوي كان يرفد خزينة الدولة بنحو 25٪ من العائد الاقتصادي.
مردفاً بقوله: (من أهم ملاحظات إسقاطات الحرب اقتصادياً وسياسياً، فتحت الباب أمام دول مثل مصر بزيادة حجم التبادل الاقتصادي بينها والسودان، نتيجة لخروج القطاع الصناعي عن دائرة الإنتاج بفعل ما تعرض له جراء الحرب، وتوقف نحو 150 ألف مصنع عن العمل، وفي محاولة لسد تلك الفجوة تضاعف حجم التبادل في ظرف 3 سنوات الماضية بين الدولتين إلى 335 مليون دولار، وهو أعلى رقم يصل إليه مستوى التبادل الاقتصادي السوداني – المصري فيه لهذا الحد منذ سنوات).
داعياً لمراجعة كافة السياسات الحكومية التي تُعنى بشأن إدارة دفة الاقتصاد السوداني، بينما الحد من مستويات التضخم يكمن في تجفيف السوق الموازي لتجار العملات، وكذا تشجيع صيغ الاستثمار، والعمل على توحيد قنوات الصرف، ومجابهة غول (الغلاء) بتحديد 6 سلع أساسية والعمل على توفيرها، مع وضع خطة لشراكات مع القطاع الخاص الآن باعتبار ما يملك من رؤوس أموال، بتركيز على توفير الخدمات الأساسية.