د. نجلاء حسين المكابرابي تكتب: الصحافة السودانية.. معركة الحقيقة وسط دخان الحرب

مسارات

د. نجلاء حسين المكابرابي

الصحافة السودانية.. معركة الحقيقة وسط دخان الحرب

حين تندلع الحروب تنتقل المعركة الي مساحات اخري لا تقل أهمية وخطورة من مواجهة الجيوش للاعداء ،، هي ساحة المعلومات والروايات والحقائق. ففي أوقات النزاعات تصبح الحقيقة أول الضحايا، وتتحول الأخبار إلى ميدان تتصارع فيه الشائعات والدعاية والمعلومات المضللة. وهنا يبرز الدور التاريخي للصحافة بوصفها خط الدفاع الأول عن الحقيقة وحق الناس في المعرفة.
ومنذ اندلاع الحرب في السودان، واجهت الصحافة السودانية ظروفاً غير مسبوقة. فقد أُغلقت مؤسسات إعلامية، وتعرض صحفيون للتهديد والاعتقال والنزوح، وفقد بعضهم أرواحهم أثناء أداء واجبهم المهني. كما واجهت غرف الأخبار أزمات التمويل والانقطاع المتكرر للاتصالات والكهرباء وصعوبة الوصول إلى مصادر المعلومات.
ورغم كل ذلك، لم تتوقف الصحافة السودانية عن أداء رسالتها. فالمراسلون والصحفيون الذين انتشروا داخل المدن والقرى ومناطق النزاع واصلوا نقل الوقائع وتوثيق الانتهاكات ورصد الأوضاع الإنسانية، مؤمنين بأن المجتمع الذي يفقد الحقيقة يفقد القدرة على اتخاذ القرار الصحيح.
لكن السؤال المهم هو: كيف يمكن للصحافة السودانية أن تنتصر في ظل الحرب؟
الانتصار هنا لا يعني الانحياز لطرف من أطراف الصراع، يعني الانتصار للحقيقة والمهنية والإنسان. فالصحافة لا تكسب معاركها بالاصطفاف السياسي أو العسكري، وإنما بقدرتها على تقديم معلومات دقيقة ومتوازنة وموثوقة للجمهور.
كما أن الصحافة تنتصر عندما تصبح صوتاً للضحايا وليس صدىً للمتحاربين. فالحروب تكثر فيها البيانات العسكرية والتصريحات السياسية، لكن القصة الحقيقية غالباً ما تكون في معاناة المدنيين، وفي أحلام الأطفال الذين فقدوا مدارسهم، وفي الأسر التي شردتها الحرب من منازلها.
وتنتصر الصحافة أيضاً عندما تتصدى للشائعات التي تنتشر بسرعة البرق في أوقات الأزمات. فالكلمة غير الدقيقة قد تشعل فتنة أو تثير الذعر أو تعمق الانقسامات الاجتماعية. لذلك يصبح التحقق من المعلومات واجباً وطنياً قبل أن يكون التزاماً مهنياً.
ومن أهم عوامل الانتصار كذلك المحافظة على الاستقلالية. فالصحفي الذي يفقد استقلاله يفقد أهم أدواته. أما الصحافة الحرة فهي القادرة على مساءلة الجميع ونقل الحقائق دون خوف أو مجاملة أو انحياز.
لقد أثبتت تجارب عديدة أن الحروب قد تدمر البنى التحتية والمؤسسات، لكنها لا تستطيع إخماد صوت الصحافة المهنية. فكل تقرير موثق، وكل صورة صادقة، وكل شهادة تحفظ ذاكرة الوطن، تمثل انتصاراً صغيراً للحقيقة في مواجهة الفوضى.
إن مستقبل السودان يحتاج إلى صحافة قوية ومسؤولة، لا تكتفي بتغطية الأحداث، لكنها تساهم في بناء الوعي الوطني وتعزيز ثقافة السلام والحوار. فالأوطان لا تُبنى بالسلاح وحده، وإنما تُبنى أيضاً بالكلمة الصادقة والمعلومة الدقيقة.
وفي نهاية المطاف، فإن انتصار الصحافة السودانية في زمن الحرب لا يقاس بعدد الجوائز أو حجم الانتشار، لكن بقدرتها على أن تبقى وفية لرسالتها، حارسة للحقيقة، شاهدة على العصر، وصوتاً للناس في أحلك الظروف.