
الأبيض .. صمود يكسر شوكة المليشيا
من تحذيرات مجلس الأمن إلى انتصار القوات المسلحة في الميدان
الأبيض .. صمود يكسر شوكة المليشيا
تقرير: مجدي العجب
تظل مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، واحدة من المدن التي وقفت صامدة في وجه محاولات مليشيا الدعم السريع لفرض سيطرتها بالقوة، محافظة على موقعها الاستراتيجي ودورها التاريخي كقلب نابض لإقليم كردفان. فرغم تصاعد الهجمات ومحاولات الضغط عبر القصف بالطائرات المسيّرة واستهداف المنشآت المدنية، ظلت الأبيض عصيّة على مليشيا الجنجويد، رافضة الانكسار أمام محاولات زعزعة أمنها وإخضاعها. وتأتي التطورات الأخيرة في وقت أعرب فيه مجلس الأمن الدولي عن بالغ قلقه إزاء التقارير المتزايدة بشأن الهجمات التي تنفذها مليشيا الدعم السريع في مدينة الأبيض ومناطق أخرى بولايات كردفان، محذراً من خطورة استمرار العنف وتداعياته على المدنيين والوضع الإنساني المتدهور. وقال أعضاء مجلس الأمن إن التقارير المتعلقة باستخدام الطائرات المسيّرة في الهجمات على الأبيض، والتي أشارت إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين خلال الفترة من يناير وحتى مايو 2026، إلى جانب تدمير بنى تحتية مدنية، تمثل تطوراً خطيراً يستوجب التحقيق ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وأكد المجلس قلقه من استمرار الأعمال العدائية والاستهدافات تجاه المدينة، محذراً من خطر وقوع فظائع جماعية، وداعياً مليشيا الدعم السريع إلى الوقف الفوري للهجمات على الأبيض ومناطق كردفان، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين.
كما شدد أعضاء المجلس على ضرورة السماح بوصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة ومن دون عوائق، وتسهيل حركة المدنيين، والالتزام بالتعهدات الواردة في إعلان جدة، داعين جميع الأطراف والدول إلى تجنب أي تدخلات خارجية من شأنها إطالة أمد الحرب وزيادة معاناة الشعب السوداني. وجدد مجلس الأمن تأكيده على سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، ورفضه إنشاء أي سلطة حكم موازية في المناطق التي تسيطر عليها مليشيا الدعم السريع، في موقف يعكس استمرار الضغوط الدولية لإنهاء الحرب واستعادة مسار السلام.
اضعاف المليشيا
وفي قراءة للمشهد العسكري، قال الخبير العسكري العقيد (م) محمد فرح إن صمود مدينة الأبيض في مواجهة محاولات مليشيا الجنجويد يعكس قدرة القوات المسلحة على التعامل مع التهديدات الميدانية وإفشال محاولات فرض واقع عسكري جديد في المنطقة. وأوضح في حديث ل”الوان” أن القوات المسلحة ظلت تعمل وفق خطط عسكرية تستند إلى حماية المدن والمواقع الاستراتيجية، وأن الاستعدادات الميدانية والقدرة على إدارة العمليات تمثل عوامل حاسمة في مواجهة الهجمات المتكررة، مشيراً إلى أن محاولات المليشيا لإحداث اختراق في كردفان ستواجه بعقبات كبيرة.
وأضاف أن استمرار الضغط العسكري على المليشيا، إلى جانب تراجع قدراتها وتزايد الخلافات داخل صفوفها، يمكن أن يقود إلى إضعافها ودحرها، مؤكداً أن المعارك القادمة ستحدد بشكل كبير مسار الحرب وقدرة الأطراف على فرض السيطرة على الأرض.
عقبات أمام المليشيا
فيما يرى الأكاديمي والمحلل السياسي الدكتور محي محمد محي الدين أن الموقف الدولي الأخير يعكس تصاعد القلق من تمدد العنف واستهداف المدنيين، خاصة في مناطق كردفان، مشيراً في حديث ل”ألوان ” إلى أن مدينة الأبيض أصبحت تمثل نقطة مفصلية في مسار الصراع، لما تحمله من أهمية استراتيجية ورمزية في معادلة الحرب.
وقال محي إن صمود الأبيض في وجه محاولات مليشيا الجنجويد المتكررة للسيطرة عليها يؤكد أن المدينة ليست مجرد هدف عسكري، بل تمثل حاجزاً استراتيجياً أمام مشروع المليشيا للتمدد في وسط وغرب السودان. وأضاف أن فشل المليشيا في تحقيق اختراق حاسم في الأبيض رغم محاولات الضغط والقصف، يكشف محدودية قدرتها على فرض واقع جديد بالقوة. وأشار إلى أن التطورات العسكرية والسياسية تشير إلى أن معركة الأبيض قد تكون محطة فاصلة في مسار تراجع المليشيا وكسر شوكتها، معتبراً أن المدينة يمكن أن تصبح “نهاية مشروع الجنجويد” إذ صمود القوات المسلحة وتماسك الجبهة الداخليةهي عقبة في وجه المليشيا بالاضافة الى الضغوط الإقليمية والدولية لوقف الانتهاكات وإنهاء الحرب. وأكد الدكتور محي أن خطاب مجلس الأمن حمل رسائل واضحة بشأن رفض أي محاولات لتقسيم السودان أو إنشاء سلطات موازية، وأن المرحلة المقبلة ستضع مليشيا الدعم السريع أمام تحديات كبيرة على المستويين العسكري والسياسي.
كسر شوكة التمرد
وختاما للقول تبقى الأبيض عنواناً لصراع الإرادات في كردفان، ومدينة تختبر فيها مليشيا الجنجويد قدرتها على فرض واقع جديد، وسط صمود ومقاومة حالت دون تحقيق أهدافها. فبينما تتصاعد التحذيرات الدولية من استمرار العنف والانتهاكات، تبدو معركة الأبيض أكثر من مواجهة عسكرية؛ فهي محطة ترسم ملامح المرحلة المقبلة، وقد تحدد إلى حد كبير مستقبل تمدد المليشيا في الإقليم وكسر شوكتها ونهايتها الحتمية.