د. حسن محمد صالح يكتب: الأبيض تستغيث

موقف

د. حسن محمد صالح

الأبيض تستغيث

مدينة الأبيض الصامدة بأهلها الصابرين المحتسبين تحتاج إلى قرار وطني قومي يرفع عنها خطر المسيّرات الانقضاضية التي تغطي سماء مدينة أب قُبّة، فحل الديوم كما يحلو لأهلها. المسيّرات في سماء الأبيض، أي والله، لا تغادر؛ ترصد تناكر الوقود والماء وتقوم بضربها مباشرة وتدميرها، ولو كانت فارغة من الوقود أو الماء.
المسيّرات تحاصر الجيش وتحاصر المواطنين وتجبر السكان على ترك مدينتهم، ولكنهم صامدون، وهذا ليس تشجيعًا لهم على البقاء في مدينتهم، ولكنها حقيقة وأمر واقع، وقد حدث مثل هذا في أم درمان قبل الأبيض.
هذه المسيّرات، من شدة اقترابها وسرعتها في السقوط، كأنها تنطلق من إحدى أحياء المدينة الغربية أو الجنوبية، وأحسن المتفائلين يقول إنها تنطلق من غرب جبرة الشيخ أو النهود أو الخوي، أو تأتي من إثيوبيا أو تشاد أو دولة جنوب السودان. إنها مسيّرات دولة الإمارات، تطلقها من أي مكان تشاء، فقد دانت لها دول الجوار بالكامل، وبمالها تشتري ذمم الرؤساء والحكومات وتدمر بالمسيّرات حياة السودانيين.
أصبحت عاصمة شمال كردفان هدفًا لدويلة الشر وإعوانها من القحاطة الشامتين على أهل الأبيض وعلى السودانيين، وكلما ضربت مسيّرة طلمبة للوقود أو بئر ماء رفعوا عقيرتهم الكاذبة الخاطئة بالحديث المموّه عن وقف الحرب.
إن حكومة شمال كردفان بقيادة الوالي تبذل جهودًا مقدرة في تقديم الخدمات للمواطنين.
ظل العاملون في المرافق الحيوية في قطاع المستشفيات والكهرباء والمياه يبذلون الجهود والتضحية لإصلاح ما دمرته مسيّرات مليشيا آل دقلو الإرهابية أولًا بأول، رغم خطورة ذلك على حياتهم.
الهجانة أم ريش، أساس الجيش، كعادة هذه الفرقة العسكرية الصامدة، ظلت في حالة تصدٍ للمليشيا وإبعادها من المدينة، وخلاصة هذا الأمر أن الأبيض، شعبًا وحكومةً وقوات أمنية، على قدر المسؤولية والتحدي وعلى قلب رجل واحد، ولن تُؤتى عاصمة الغرب من قبلهم، فهم صامدون ومسيطرون على الأوضاع الأمنية داخل المدينة وخارجها.
في وقتٍ فيه العدو بفعل أدوات الطابور الخامس داخل المدينة، ويقوم بقتل الأبرياء ويرصد حركة الأجهزة الأمنية، في المقابل تقوم الخلية الأمنية بالأبيض بواجبها تجاه هذه العناصر الإجرامية. أما من خارج المدينة فقد خططت المليشيا بالفعل لاجتياح الأبيض، وسارعت في الهجوم ونسقت عبر الإمارات مع ما يُعرف بالمجتمع الدولي، وخاصة الأمم المتحدة وبرنامج الغذاء العالمي وبعض وكالات الإغاثة الدولية، وهو تنسيق سياسي الغرض منه لوي يد القوات المسلحة بالخطر على حياة المدنيين المحاصرين داخل المدينة، والمطالبة بفتح ممرات لتوصيل الإغاثة للمواطنين، وهو طلب غريب لأن الإغاثة والمواد التموينية تأتي الأبيض عبر طريق كوستي الخرطوم، ولكن من يمنع ذلك هو المليشيا التي تعمل على قطع الطريق بالمسيّرات.
عُرفت الأبيض بأنها تمتلك مصادر ومشروعات داخلها تعمل المليشيا على احتلالها، مثل حوض بارا الجوفي وخور ود البُغا. لقد حشدت المليشيا بالفعل لاحتلال الأبيض، ولم يبقَ شيء، ولكن هذه الحشود والأرتال العسكرية تم تدميرها بصورة شبه كاملة، وصار هم المليشيا الآن هو المحافظة على ما تبقى لها من سيارات تقوم بتخزينها في الوديان بالقرب من جبرة الشيخ وفي مناطق الخشخاش والبقرية في وادي الملك.
شُوهد أفراد المليشيا يجوبون هذه المناطق من شمال كردفان سيرًا على الأقدام، إما لخوفهم من ضرب عرباتهم المسلحة بواسطة مسيّرات القوات المسلحة، أو لأن هذه العربات قد تم تدميرها بالفعل، وهم في انتظار الاستعواض العسكري القادم من الإمارات التي تعدهم بالدعم، أو أن الأمر قد وصل بهم إلى هذه الحال، وستكون نهاية المليشيا قد اقتربت، وفي شمال كردفان على وجه التحديد.
ملخص هذا الكلام أن الخطر على الأبيض هو في المسيّرات، وهذا يتطلب من رأس الدولة وكل الحكومة أن تنقل مقر القيادة إلى مدينة الأبيض، فكما ذهبت الحكومة إلى بورتسودان وخططت من هناك لتحرير ولاية الخرطوم والجزيرة، الآن وعلى وجه السرعة على الرئيس البرهان أن يصدر قرارًا بنقل مجلس السيادة والوزراء ورئاسة أركان القوات المسلحة ورئاسة الشرطة وجهاز الأمن والمقاومة الشعبية إلى مدينة الأبيض، على أن تكون هذه المدينة مركز الانطلاق لتحرير ولايات دارفور، ولتسمِّ قحط حكومة الأبيض بدلًا من حكومة بورتسودان، وليروا من حكومة عروس الرمال ما لم يروه من حكومة الثغر من بأس شديد على مليشيا الدعم السريع المتهالكة.
وضع الأبيض يتطلب حملة عسكرية لتحرير بارا وتأمين محيط محلية بارا، وترك فرق الهندسة القيام بصيانة الخط الناقل للمياه من حوض بارا الجوفي إلى الأبيض. وتحتاج المدينة، وهي مدينة صغيرة المساحة، إلى أجهزة تشويش لكي تساهم مع الدفاع الجوي في إسقاط المسيّرات، ونحسب أن ذلك سيكون قريبًا.