
السودان والصين .. إعفاء ديون ومشاريع استراتيجية
السودان والصين .. إعفاء ديون ومشاريع استراتيجية
تقرير: الهضيبي يس
جَرَى بمدينة بورتسودان حاضرة ولاية البحر الأحمر التوقيع على بروتوكول إعفاء جزء من ديون جمهورية الصين الشعبية على حكومة جمهورية السودان، وافق الجانب الصيني بموجبه على إعفاء أربعة قروض بدون فوائد من الصين، واجبة السداد على السودان، بمبلغ 344,520,000 (ثلاثمائة وأربعة وأربعون مليونًا وخمسمائة وعشرون ألف يوان صيني رنمينبي)، أي ما يعادل 50 مليون دولار. حيث وقّع عن حكومة السودان د. جبريل إبراهيم وزير المالية، فيما وقّع عن حكومة الصين السيد شيو جيان القائم بالأعمال المؤقت بالسفارة الصينية لدى السودان، وتم الاتفاق على أن يدخل البروتوكول حيز النفاذ اعتبارًا من تاريخ التوقيع عليه، على أن يضطلع بنك السودان المركزي وبنك الصين للتنمية بالإجراءات المطلوبة لتسوية الحسابات لإعفاء الديون المذكورة.
وأشاد د. جبريل بعلاقات التعاون الاقتصادي الراسخة والمميزة بين البلدين الصديقين، مؤكدًا حرص السودان على المحافظة عليها وتطويرها، مشيرًا إلى دعم الصين للسودان في الأوقات العصيبة التي عزف فيها العالم الغربي عن الاستثمار في السودان، فتقدمت الصين وأنتجت البترول، فضلًا عن دعمها للسودان في كافة المحافل الإقليمية والدولية.
وأكد الوزير أهمية السودان كبوابة حقيقية للاستثمار الصيني في أفريقيا، مشيدًا بقرار الصين بإعفاء كافة البضائع المتجهة إلى خمسين دولة أفريقية من الرسوم الجمركية، ووصفها بالمبادرة المهمة، وكشف عن استعداد الصين لتأهيل القيادات الوسيطة للموظفين وبناء القدرات في كافة المجالات، بما فيها برامج تدريبية بمعهد AIBO.
من جانبه، أكد شيو جيان القائم بالأعمال رغبة الصين في دعم تنمية الاقتصاد القومي لجمهورية السودان وتخفيف أعباء ديونها، والمحافظة على تطوير علاقات التعاون الاقتصادي بين الجانبين.
وتم استعراض موقف تنفيذ المنح الصينية المقدمة لعدد من المشروعات في السودان، من بينها مشروع مسلخ غرب أم درمان، والمنحة المقدمة للسودان من الرئيس الصيني بقيمة 200 مليون يوان صيني لدعم مشروعات الطاقة والمياه والزراعة، بجانب السعي لتذليل العقبات التي تعترض التعاون في مجال العمل المصرفي، والتأكيد على أهمية استئناف عمل شركة CNPC لنشاطها بالسودان.
وتُعدّ الصين أحد أكبر المستثمرين في السودان خلال (3) عقود ماضية في عدة مجالات، بينما تُعدّ عمليات استخراج وتكرير النفط هي الأهم، الأمر الذي أنعش الاقتصاد السوداني، مما ضاعف إيرادات الخزينة السنوية وقفز بمستوى دخل المواطن، فضلًا عن جملة المشاريع المصاحبة التي أُسِّست، منها تعبيد آلاف الطرق، وإنشاء العديد من المستشفيات ومحطات المياه.
ولكن فور انفصال السودان في شهر يوليو من العام 2011 تبدلت أوضاع العلاقة بين الدولتين، وبدأت عمليات الاستثمار الصيني في التقلص رويدًا رويدًا، مع تضاعف حجم الديون على كاهل الخزينة السودانية، وهو أحد أبرز الأسباب التي دفعت الصين للتراجع عن السودان، زد على ذلك تدهور الأوضاع الأمنية بعدها بجنوب السودان ونشوب المواجهات العسكرية بين أجنحة الحركة الشعبية (سلفا – مشار)، والتي انتهت باتفاق الخرطوم للعام 2016.
الآن، وبعد مرور سنوات من ضمور العلاقات، ها هي الصين بدأت العودة للسودان مجددًا، ولكن هذه المرة عبر أرضية مختلفة تتصل بمد الجسور عبر الاقتصاد الزراعي، في إنشاء أكبر المزارع التحويلية للخضر والفواكه، كذلك زراعة ما يفوق 2 مليون فدان زراعي من محاصيل الغذاء مثل الذرة الرفيعة، إضافة إلى الشروع في استخراج الغاز، وهي مشاريع يحتاجها السودان بصورة مكثفة، خاصة ما بعد نشوب حرب 15 أبريل لعام 2023.
ويؤكد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي محمد سعد أن الصين، ما بعد العام 2024، قد وسعت دائرة استثماراتها بشكل كبير في أفريقيا، خاصة على مستوى مجالات استخراج النفط، وتنمية وإنشاء الموانئ، والزراعة، والمطارات، والتعدين في كل من غانا، الصومال، الكونغو، ونيجيريا، فهي باتت تنافس استثمارات الاقتصاد الأوروبي الذي كان يسيطر لعقود على دول منطقة شرق وغرب القارة الأفريقية، من بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة الأمريكية، وإيطاليا.
ويضيف الكاتب: سياسيًا أيضًا تُعدّ الصين أحد الخمسة الكبار في مجلس الأمن الدولي الذين يتمتعون بحق النقض (الفيتو)، فهي إحدى الدول التي باتت تدرك حجم التعقيدات الداخلية بالسودان وما يتعرض له من هجمة إقليمية ودولية شرسة تستهدف موارده وسيادته الوطنية ومواطنيه، وفقًا لمشروع تم التخطيط له وترتيبه وتمويله وصنع آلياته منذ سنوات، ما يجعل السودان بالنسبة للصين كتابًا مفتوحًا، وهو قطعًا أمر يساعد كثيرًا في تجاوز العديد من تحديات العلاقات بين الدولتين وما شابها خلال الفترة الأخيرة.
وزاد: فقط نحن في السودان حتى الآن لم نستفد بشكل كامل من الصين، سواء تكنولوجيًا أو اقتصاديًا، وهي كذلك لم تنل ما ترنو إليه تجاه السودان نتيجة لعدم الاستقرار السياسي، فهي دولة تحتاج لسد حاجتها من المواد الخام ومجابهة فجوات الغذاء، وكافة هذه المسائل بمقدور السودان توفيرها متى ما توفرت آليات عمل وبرنامج محكم وفقًا لخبراء وصاحب قرار سياسي يتجه نحو آسيا بكليات الدولة دون أي تردد.