
أحمد الشريف يكتب: حول زيارة الوفد الأمني اليوغندي
كتابات
أحمد الشريف
حول زيارة الوفد الأمني اليوغندي
زيارة رئيس جهاز المخابرات اليوغندي لبورتسودان، واجتماعه بالبرهان رئيس مجلس السيادة، والتي جاءت متزامنة مع تقدم الجيش في محاور كردفان ودارفور، وتصدع الدعم السريع، وتغيرات في الخريطة الخارجية والداخلية، نتاج عمل ميداني عسكري قام به الجيش والقوات المساندة له، سواء في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، التي تمت فيها انتصارات قلبت الموازين على الأرض.. فنتاج عمل دبلوماسي محكم ومتقن، فهناك ما هو أكبر وأقوى، ألا وهو العمل الاستخباراتي الذي قام ويقوم به جهاز المخابرات… قرنا استشعار العمل العسكري والدبلوماسي والاقتصادي… فالزيارة وراءها بالتأكيد هذا الجهاز الوطني المهني العالي الكفاءة. واليوغنديون يعرفون مقدرات هذا الجهاز الذي، لولا أن الاستخبارات (الخارجية)، عبر عملائها في الداخل بعد سقوط الإنقاذ، عمدوا إلى حله، لما حلت بالسودان هذه النكبات والمحن….
صحيح يُقرأ من هذه الزيارة فتح (مسار) بين حكومة يوغندا والحكومة السودانية و(قنوات) لعمل استخباراتي لصالحهما، في حدود مصالح كل منهما،.. وصحيح أن انتصارات الجيش السوداني دافع ليوغندا، التي لها مواقف موالية للمليشيا، وتعاون مع الإمارات الداعمة للمليشيا، وتماهٍ مع إسرائيل وأمريكا وبريطانيا في الأزمة السودانية.. دافع لتتحرك صوب السودان..
بالطبع في السياسة لا صداقات دائمة، ولا عداوات دائمة، بل مصالح مشتركة؛ فالآن هناك مصالح بين كمبالا والخرطوم، أهمها أمن دول البحيرات… واستقرارها الأمني والاقتصادي.
فموسيفيني، الذي يعتلي دفة الحكم في يوغندا لأكثر من أربعين عاماً، بخبرته الطويلة، يمسك بملفات دول البحيرات، وبكاريزميته له تأثير على مجريات الأحداث فيها، صنع كثيراً من أحداثها؟ فيوغندا دولة تعرف كيف تتماهى مع المخابرات الغربية والإسرائيلية، وكيف تدير مكاتبها في كمبالا عملها الاستخباراتي، لذا لن تنكفئ، عند إحساسها بالخطر، أن تسند ظهرها على مليشيا تتهاوى أمام ضربات جيش قوي، واستخبارات عادت أشد مهارة، كمليشيا آل دقلو.
فموسيفيني الرجل البراغماتي، يعرف متى يضع رجله في موقع ومتى يسحبها… ففي تقديري أن التحرك اليوغندي الأمني لن ينتهي في بورتسودان، فهناك خطر، فيما أرى، ترصده استخباراتها، ألا وهو التمدد الإماراتي في دول البحيرات؛ فالإمارات، عبر استثمارات مشبوهة، بدأت تسحب البساط من تحت رجلي يوغندا…. فهذا ما يقلق (كمبالا)، التي بتمددها الإثني كقومية (التوتسي) لها وجود في (رواندا) وشرق الكونغو المضطرب، غير المستقر أمنياً بسبب المليشيات والفوضى الأمنية، فالإمارات، وتحت المظلة الأمريكية والإسرائيلية، وشركاتها واستخباراتها وشرائها لحكام بلدان الإقليم الفاسدين، وجدت لها موطئ قدم في الكونغو الديمقراطية، والكونغو كينشاسا معاً… رغم الاختلاف والعداء بين النظامين، عداء تجاوز الأنظمة إلى الشعبين، مما يُؤسف له…
فالإمارات استحوذت على أكبر منجم (للقصدير) في العالم، منجم (بيسيه)، الصفقة سهلها لها مستشار رئيس (كينشاسا)، مقابل تزويدها بناقلات جنود وأسلحة خفيفة وامتياز في مجال الذهب، عطفاً على مصفاة للذهب الكونغولي بأبوظبي..
فبرغم العقوبات الأوروبية على مصفاة (رواندا) لدولة الحليف والأقرب ليوغندا كدولة للشعب التوتسي، فقد استغلتها الإمارات فجعلتها محطة (لتشوين) الذهب المهرب… وإلى الآن لم تتوقف الإمارات عن تهريب الذهب، كما تواصل حتى الآن تهريب الذهب السوداني والصمغ العربي من دارفور.
فعلى ما تقدم، أحست يوغندا بالخطر يقبل عليها، ليفقدها وضعها في الإقليم واستقرارها واستقرار دول المنطقة، فجاء هذا التحرك. ولكن يوغندا لن تحرق أوراقها مع (الإمارات)، لن تفعلها، فستعمل بقدر المساحة التي تحمي مصالحها، ولن تحرق الأوراق المهمة مع أبوظبي، فأبوظبي تمسكها بيد يصعب في الوقت الحالي الفكاك منها.
فالأيام المقبلات حبلى بالمفاجآت.. فأمسكوا الخشب.