
محجوب أبوالقاسم يكتب: لا دولة بلا جيش واحد
محجوب أبوالقاسم
يكتب
لا دولة بلا جيش واحد
تقترب الحرب من نهاياتها وتبدأ معها مرحلة أكثر تعقيدا وحساسية من ميادين القتال نفسها وهي مرحلة بناء الدولة واستعادة هيبتها فالانتصار العسكري مهما بلغت أهميته لن يكتمل ما لم يتبعه انتصار سياسي وأمني يؤسس لدولة القانون،ويعيد للمواطن شعوره بالأمن والاستقرار.
لقد دفع السودانيون ثمنا باهظا لهذه الحرب سنوات من النزوح والتشريد وفقدان الأرواح والممتلكات أجبرت الملايين على مغادرة منازلهم وقراهم وأحيائهم هربا من جرائم مليشيا الدعم السريع، واليوم ومع بدء عودة المواطنين تدريجيا إلى مناطقهم فإنهم لا يبحثون عن مجرد سقف يأويهم بل عن وطن آمن لا يخشون فيه رصاصة طائشة أو تفلتا أمنيا أو سلطة بندقية خارج إطار الدولة.
إن أخطر ما يواجه السودان في هذه المرحلة ليس فقط إعادة الإعمار وإنما معالجة واقع تعدد التشكيلات المسلحة فلا يمكن بناء دولة قوية في ظل تعدد مراكز القوة ولا يمكن تحقيق الأمن الدائم إذا بقي السلاح موزعا بين كيانات مختلفة مهما كانت المبررات أو الظروف التي أفرزتها الحرب.
لقد أثبت الجيش أنه العمود الفقري للدولة وقدمت معه القوات المشتركة تضحيات كبيرة بعد إعلانها فك الحياد وانخراطها في معركة الكرامة وكان لها دور مقدر في العديد من الجبهات. وهذا دور لا يمكن إنكاره أو التقليل من شأنه.
لكن في المقابل فإن بعض التجاوزات والتفلتات التي نسبت إلى أفراد من القوات المشتركة سواء في ولاية الجزيرة أو في مدينة الدبة تثير قلق مشروع لدى المواطنين وتسيء إلى سجل قوة قدمت الكثير من التضحيات ومن هنا فإن المسؤولية الوطنية تقتضي من قياداتها التعامل بحزم مع أي تجاوز وتقديم كل من يعتدي على المواطنين أو ينتهك القانون إلى محاكمات عادلة لأن الانضباط هو الضمان الحقيقي للحفاظ على سمعة أي قوة نظامية.
إن المرحلة المقبلة تستوجب قرارات شجاعة لا تحتمل التأجيل وفي مقدمتها المضي نحو دمج جميع التشكيلات العسكرية في القوات المسلحة وفق رؤية وطنية ومهنية تضمن وحدة السلاح ووحدة القرار العسكري وتغلق الباب نهائيا أمام أي مظاهر للتفلت أو ازدواجية السلطة.
فالدول لا تبنى بالجيوش المتعددة وإنما تبنى بمؤسسات قوية وجيش قومي واحد وقانون يسري على الجميع دون استثناء وهذه ليست مجرد رغبة سياسية بل ضرورة وجودية لضمان استقرار السودان ومنع تكرار المآسي التي عاشها شعبه.
إن المواطن الذي تحمل ويلات الحرب يستحق أن يعود إلى منزله مطمئنا وأن يزرع أرضه ويرسل أبناءه إلى مدارسهم ويمارس حياته الطبيعية بعيدا عن أصوات السلاح.
وهذا لن يتحقق إلا بدولة تحتكر القوة وتفرض سيادة القانون وتحاسب كل من يتجاوز حقوق المواطنين أيا كانت صفته.
السودان اليوم أمام فرصة تاريخية لطي صفحة الحرب وفتح صفحة الدولة فإما أن تكون مرحلة ما بعد الحرب بداية لاستقرار دائم أو أن تضيع الفرصة إذا لم تُحسم قضية السلاح وتعدد القوى المسلحة بحكمة وحزم في آن واحد.
والله من وراء القصد.
ولنا عودة