
إسحق أحمد فضل الله يكتب: (هذه الصور)
مع إسحق
إسحق أحمد فضل الله
(هذه الصور)
وفي الخرطوم القديمة، صحيفة الرأي العام كانت تطل على فندق الأكروبول. وبابها صغير، أصغر من المعتاد. وأمام الباب مستطيل صغير مرصوف ولامع.
وعلى المستطيل هذا مائدة حديدية أقدم من كل ما حولها.
وستة مقاعد وراء المائدة في نصف دائرة.
وعلى المقاعد الست يجلس ست شيوخ بمعاطف تعني أنه كان لهم شأن.
وكانوا يدخنون، وقليلًا ما ينطق واحد منهم بكلمة…
ويقرأون الصحف…
ويومًا، أحد المقاعد يظل خاليًا… دفنوه مساء أمس.
والخمسة يدخنون في صمت.
والولد يضع المقاعد الست.
ويومًا، مقعد آخر يظل خاليًا… لكن الولد يضع المقاعد الست.
و…
ويومًا كان من يجلس هناك كل صباح واحدًا، والولد يضع المقاعد الست.
ويومًا أعبر أنا من هناك، مثلما ظللت أعبر منذ سنوات. ولم يكن هناك أحد… لكني وجدت أن الولد قد وضع المقاعد الست…
وتوقفت… وانعطفت أنا على المستطيل، وجلست على مقعد من المقاعد الست.
وكنت أشعر أن خمسة سوف يجلسون على المقاعد الخمس.
…
والصورة هذه هي آخر ظل للسودان… سودان الأربعينات… السودان الهادئ الحزين الذي يتقاعد بصمت.
ولا قتل سياسي في السودان.
وشرطية في تونس تقلب عربة فواكه يدفعها شاب مسكين.
والشاب المقهور يشعل النار في نفسه… والشعب كله يثور، والربيع العربي يبدأ.
والصورة هذه لا جسر بينها وبين الحقيقة، والأحداث لا تحدث بالصورة هذه.
وما حدث هو أن كل أحد كان يدفع عربته المحملة بالألم، والجروح واليأس.
ولما حطمت الشرطية عربة بوعزيزي، كان كل أحد ينظر إلى حاله هو، التي هي نسخة من بوعزيزي… وكل أحد يقف بين خيار الانتحار أو الهجوم.
وهجموا….
والقندول الشنقل الريكة لم يكن واحدًا، بل ألفًا.
.. …..
والحرب تكاد تنتهي، لكن السودان القادم… سودان ما بعد الحرب لن يكون هو سودان المقاعد الست فوق الرصيف الحجري.
السودان القادم هو الآن ركام الطوب والأسياخ وأدوات البناء.
بينما تصميم المبنى الجديد لم يكتمل.
والعراك، محله القادم سوف يكون هناك.
وحتى الآن ما يبدو من التصميم هو:
…. عدا قحت، وعدا الدعم السريع.
