حسين خوجلي يكتب: مستطرف ألوان في الحكم واللطائف والبيان
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
مستطرف ألوان في الحكم واللطائف والبيان
1
من أقسى أنواع التعبير عند الرجال الدموع، فإن تسبب لك بعضهم فيها، فامسحهم من ذاكرتك قبل أن تمسحها من عينيك.
2
كان أساتذتنا يطلبون منا تعليق ورقة كل يوم في مقدمة الفصل، فيها حكمة نتفق عليها ، وفي كل يوم كنا نكلف أحدنا بواحدة،ومن الحكم التي بقيت في ذاكرتي إن لم تخني الذاكرة لغاندي ( الجبان غير قادر على إظاهر الحب، وهذا في حد ذاته يُعد امتيازاً للشجاع).
3
كانت الراحلة والمذيعة والشاعرة والدبلوماسية ليلى المغربي، دائماً ما تدس في يد وقلب وعقل المذيعات الجدد هذه النصيحة: (عليكن أن تتأكدن بصورة قاطعة لا مِراء فيها ولا جدل، أن شخصية الإعلامية الجذابة لا علاقة لها إطلاقاً بالوجه الجميل، (الجاذبية يا حبيبات القسا) تنبع من أناقة الفكر وجمال الروح.
4
لو وجدت بريداً موثقاً لرئيس الاستبداد العالمي الجديد دونالد ترامب، لأرسلت له هذه البرقية الحكيمة القارصة: (عليك أن تعلم أيها البرتقالي أنه (كم من طغاة على مدارِ التاريخ ظنّوا في أنفسهم مقدرةً على مجاراة الكون في سننه، أو مصارعته في ثوابته، فصنعوا بذلك أفخاخهم بأفعالهم، وكانت نهايتهم الحتمية هي الدليل الكافي على بلاهتهم وسوء صنيعهم).
5
كنا في الفلسفة نحتفي بأفكار أفلاطون وفكرة اليوتوبيا والمدينة الفاضلة التي كان يبشر بها، وكنا أيضاً نحتفي بعباراته التي ساعدتنا كثيراً في الاحتفاء بها في أول خطوات هذا الطريق المرهق، ومنها ما كنا نعبر بها ذماً على الصفاقة. يقول إفلاطون في حكاية لطيفة ومعبرة:
(شاهد أفلاطون ذات يوم شاباً دميماً يسب آخر وسيماً فأمره بالكفّ عنه وأن يكون أكثر أدباً وتسامحاً معه، وهنا سأله الدميم هل الأدب والتسامح وقف على بعض الناس دون غيرهم؟ فأجابه أفلاطون كلا ولكن يجب على الإنسان أن ينظر إلى وجهه في المرآة فإن وجده حسناً لم يخلطه قبح، وإن وجده قبيحاً لم يجمع بين قبيحين).
6
استعينوا بهذا الكلمات في ابتدار الخُطب والخطابات التي تُكلفون بها ، فكثيراً ما نحتاج لعبارات ضد النسيان.
(كن جبلاً ولا ترهبك قوّة الضّربات، فقد ثبت في تاريخ الأبطال أن النّصر في الحياة يحصل عليه من يتحمّل الضّربات لا من يضربها. ما من عبدٍ يترك ذنباً فِراراً من غضَب الله إلا وجد ثمرة تركها في حياته؛ كَحلاوةِ إيمان، أو سِعة رزق، أو توفيق لطاعة، أو صلاح ذريّة، أو قبول في القلوب).
7
كان دكتور حليم عليه الرحمة وهو يعد أحد أبطال ثورة أكتوبر، كان مديراً لمستشفى الخرطوم ورفض في شمم تسليم جثة الشهيد القرشي للسلطات، وصار بعدها عضو مجلس سيادة في العهد الديموقراطي الثاني، ومن مؤسسي الإتحاد الإفريقي لكرة القدم، وقد أصدر مع صديقه الرئيس محمد أحمد محجوب كتاب (موت دنيا). ومن العبارات التي اشتهر بها وكان يصر أن يحفظها زملائه وطلابه:
(بعد نصف قرن من ممارسة الطب أستطيع أن أعترف بأن أحد الأسباب الطبية لموت الإنسان هو الظلم).
8
وفي مقدمة كتب النصائح ومأثورات الأقوال، هذه الإفادة التي تستحق الاحتفاء والاحترام (لو تصفحنّا سير الناجحين من حولنا، لوجدنا أن كل واحد منهم، لديه قصة حبلى بالمعاناة، رافقت بدايته، وساهمت بصنع النجاح الذي يعيش فيه، فالإخفاقات وقود، ودافع للمثابرة، وإنّ الأجنحة التي لا ترفرف لا تطير).
9
سألوا البرغوثي الأب هل هي قصيدة أم قصة قصيرة؟ فأجاب مبتسماً هذا ضرب من الأدب في طريقه نحو الاكتشاف
قالت القلعة:
كما تلاحظون
لم أستطع حمايةَ أحد
حتى نفسي
مات المدافعون والمهاجمونْ
ماتت الأيدي، المنجنيقات
الأسقف الأسوار الصور
والزوجات المنتظرات
المشاعل والصمت والوقت
الشجعان ماتوا. والجبناء أيضاً
ومات كثيرٌ من الحجارة
أما الأبراج…
أرادت القلعةُ أن تواصلَ الشرح
لكنّ السيّاح
مكتفين بالشرح البطوليّ السعيد
أقصد الشرح المعتاد
من دليلتهم السياحيّة ذات النظارات الغبية
مصرّين على تخليدِ زيارتهم للموقع
وحماية اللحظة من الاندثار
واصلوا التقاطَ الصور الأنيقة
مع الحُطامْ
10
ومن أدب الحيوان الذي يصلح للصغار والكبار والعامة والخاصة ما أورده شوقي في حكاية (كان لبعض الناس نعجتان).
كانَ لِبَعضِ الناسِ نَعجَتان
وَكانَتا في الغَيطِ تَرعَيانِ
إِحداهُما سَمينَةٌ وَالثانِيَه
عِظامُها مِنَ الهُزالِ بادِيَه
فَكانَتِ الأولى تُباهي بِالسِمَن
وَقَولِهِم بِأَنَّها ذاتُ الثَمَن
وَتَدَّعي أَنَّ لَها مِقدارا
وَأَنَّها تَستَوقِفُ الأَبصارا
فَتَصبِرُ الأُختُ عَلى الإِذلالِ
حامِلَةً مَرارَةَ الإِدلالِ
حَتّى أَتى الجَزّارُ ذاتَ يَومِ
وَقَلبَ النَعجَةَ دونَ القَومِ
فَقالَ لِلمالِكِ أَشتَريها
وَنَقَدَ الكيسَ النَفيسَ فيها
فَاِنطَلَقَت مِن فَورِها لِأُختِها
وَهيَ تَشُكُّ في صَلاحِ بَختِها
تَقولُ يا أُختاهُ خَبِّريني
هَل تَعرِفينَ حامِلَ السِكّينِ
قالَت دَعيني وَهُزالي وَالزَمَن
وَكَلِّمي الجَزّارَ يا ذاتَ الثَمَن
لِكُلِّ حالٍ حُلوُها وَمُرُّها
ما أَدَبُ النَعجَةِ إِلّا صَبرُها
حاشية:
هل أدركت الشعوب الفقيرة من غير نفط وغاز، أنها بِهُزالها وفقرها، قد نجت من ضربات الاستعمار الجديد ، مثل ما نجت صاحبتنا النعجة الهزيلة، هل؟.
