حسين خوجلي يكتب: أُنْسُ التَصابي ما بين أبوروف والصبابي .. فسارعوا بإصلاح جسر شمبات
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
أُنْسُ التَصابي ما بين أبوروف والصبابي .. فسارعوا بإصلاح جسر شمبات
1
يا مزارعي الجزيرة لا تتوقفوا عن زراعة القطن طويل التيلة مهما كانت المساحات، فهذا العالم الذي أصبح بلا فضيلة للحياء قد يمشي عارياً ، ولكنه يحتاج يومياً لملايين الضمادات القطنية لتجفيف جراحه والدماء المتدفقة مجاناً.
2
يا نساء السودان: اقذفن بحبوب منع الحمل في مزبلة البوادي والمدن، ولا تتوقفن عن الإنجاب فإن الحضارة التي نعيشها الآن أصبحت مثلية، وبأمر القانون العلماني العالمي أصبح الذكور يتزوجون الذكور والنساء يتزوجن النساء، وقد عقِمت أوروبا وأمريكا واليابان والكثير من الدول المترعةِ بالدنيا، وشاخ الناس هناك وأصبح الإنجاب عملة نادرة. لا تتوقفن عن الإنجاب فإن أولاد الحلال وبنات الحلال هم وهن القنبلة السلمية القادمة التي ستحكم العالم دون أن تطلق رصاصة واحدة.
3
يا دعاة التربية والتعليم والإصلاح والإرشاد في بلادنا: لا تتوقفوا عن تشييد الخلاوي وتعليم القرآن، فكل ما تكاثف الحفظة ازدهرت التقوى والبركة واللغة والتمدن والتنمية والكفاية والعدل، وأصبح للسان وللأفكار سيقان تسعى بين الناس. الخلوة لا الروضة والقرآن لا الألحان والعربية لا العجمى واعلموا أن الأصالة هي المفضية إلى البسالة، وأن الثلاثي الذي بنى السودان القديم وسيبني السودان الجديد (الدين، اليقين والعجين) ومن هنا نبدأ.
4
يا كتائب الجيش والمقاومة الشعبية نعم (لا للحرب) ولكن بعد الانتصار والتحرير والتعمير وشموخ القوات المسلحة وطرد العملاء من بلادنا، بل من قارتنا وحتى يمشي المواطن من (محمد قول) إلى (أم دافوق) راجلاً آمناً لا يلتفت إلى الوراء، هنا تصبح (لا للحرب) ضرورة، أما شعار (لا لحرب) التي يطلقها القحاطة ليل نهار (فهي كلمة حق أريد بها باطل) يقولونها حتى يساهموا في دعم خناجر الأعداء ويخذلون بها شعبنا وجيشنا، وحتى ينالون بها الدراهم الحرام من أسيادهم. تُرى من أين تُصرف هذه الكلمة الزائفة والعملة المغشوشة بعد أن يستعيد شعبنا الفاشر ونيالا والجنينة وجبال النوبة وجبل مرة.
ماذا تقولون هذه المرة بعد أن تصبح (لا للحرب) شقيقاً توأماً (لنعم الانتصار)؟.
5
أذكر أننا في كلية الآداب أجرينا بحثاً أدبياً استقصائياً حول أمثال الشعوب العالمية من كل القارات ومن كل الشعوب والحضارات القديمة والجديدة، وقد اكتشفنا أن الأمثال الأفريقية كانت هي الأكثر عُمقاً وأصالة ومرحاً في الشكل والمضمون وهي الأبقى في فك طلاسم الحياة، وما زال في ذاكرتي المثل الأفريقي الذي يقول: (إياك أن تشتم التمساح قبل عبور النهر) وهو مثلٌ ينفع للمدنيين والعسكريين من الساسة والاقتصاديين وأهل الدبلوماسية والإعلام، فكثيرون هذه الأيام يشتمون التمساح وهم في قلب النهر يصارعون الأمواج.
6
ومن قلب المأسي والأحزان تطل بعض الابتسامات تخطو على حذر على ظهور النكات العابرة فرادى، بعد أن أصبحت مجالس الأنس مستحيلة، في بلاد كانت لها عبقرية في اختيار المجالس والمنتديات وأحاديث الليالي المقمرة.
قالت له زوجته في لحظة صفاء: هل تحبني؟ فرد عليها دون تردد: أحبك؟ أنا مجنونك، وابتسمت سعيدة، وأرادت تأكيد هذا الاعتراف، تُرى هل ستتزوج لو قُدر لي الرحيل عن هذه الفانية؟ فقال بذات السرعة الأولى: المجنون يمكن أن يفعل أي شئ وليس عليه من حرج.
7
من الشخصيات التي كنا نحتفي بها في قراءتنا للتراث شخصية الأحنف بن قيس التميمي الذي كان عالماً ومجاهداً وفقيهاً وحليماً وكريماً وهو الذي فتح خراسان وقد أسلم دون أن يلتقي بالنبي صلى الله عليه وسلم فسمي بأول التابعين.
وأقواله في الكرم والحلم والشجاعة تملأ أسفاراً، فليت وزير التربية والتعليم يصدر كتاباً لأبنائنا مقرراً تُمتحن فيه النفوس قبل الأوراق عن عظمائنا ومنهم الأحنف. ومن أقواله المأثورات في الحلم: الناس عندي ثلاثة حين يسيئون إلى ويقدحون فإن كان أكبر مني احترمت شيبته وتجربته فعفوت. وإن كان مثل سني تفضلت عليه ودعوت له وعفوت. وإن كان أصغر مني ترفقت به ورحمته وعفوت.
فصاروا بها أحباباً وإخوة. فاعرفوا أقدرا الرجال والمقامات تكتب لكم السلامة.
8
من التجارب الشعرية التي كنا نطرب ونتأسى لها تجربة البهاء زهير حين يتغزل وحين يمدح وحين يرثي.
وللرجل ملكه عظيمة في تبسط المعاني وترقيق المفردات، وله عبقرية في فن التداخل العبقري بين أبواب الشعر، فأنت للوهلة الأولى لا تعلم هل هو يريدها نسيباً أم حكمة أم تفجعاً أم رثاء، ودليلي على ذلك هذه القصيدة التي يرث فيها ابنه الذي فارق الحياة وهو في ريعان الشباب . يقول البهاء في قصيدة باهية ملئية بالرقة والحزن والشجن.
نَهاكَ عَنِ الغَوايَةَ ما نَهاكا
وَذُقتَ مِنَ الصَبابَةِ ما كَفاكا
وَطالَ سُراكَ في لَيلِ التَصابي
وَقَد أَصبَحتَ لَم تَحمَد سُراكا
فَلا تَجزَع لِحادِثَةِ اللَيالي
وَقُل لي إِن جَزِعتَ فَما عَساكا
وَكَيفَ تَلومُ حادِثَةً وَفيها
تَبَيَّنَ مَن أَحَبَّكَ أَو قَلاكا
بِروحي مَن تَذوبُ عَلَيهِ روحي
وَذُق ياقَلبُ ما صَنَعَت يَداكا
لَعَمري كُنتَ عَن هَذا غَنِيّاً
وَلَم تَعرِف ضَلالَكَ مِن هُداكا
ضَنيتُ مِنَ الهَوى وَشَقيتُ مِنهُ
وَأَنتَ تُجيبُ كُلَّ هَوىً دَعاكا
فَدَع ياقَلبُ ماقَد كُنتَ فيهِ
أَلَستَ تَرى حَبيبَكَ قَد جَفاكا
لَقَد بَلَغَت بِهِ روحي التَراقي
وَقَد نَظَرَت بِهِ عَيني الهَلاكا
فَيا مَن غابَ عَنّي وَهوَ روحي
وَكَيفَ أُطيقُ مِن روحي اِنفِكاكا
حَبيبي كَيفَ حَتّى غِبتَ عَنّي
أَتَعلَمُ أَنَّ لي أَحَداً سِواكا
أَراكَ هَجَرتَني هَجراً طَويلاً
وَما عَوَّدتَني مِن قَبلُ ذاكا
عَهِدتُكَ لاتُطيقُ الصَبرَ عَنّي
وَتَعصي في وَدادي مَن نَهاكا
فَكَيفَ تَغَيَّرَت تِلكَ السَجايا
وَمَن هَذا الَّذي عَنّي ثَناكا
فَلا وَاللَهِ ماحاوَلتَ عُذراً
فَكُلُّ الناسِ يُعذَرُ ما خَلاكا
وَما فارَقتَني طَوعاً وَلَكِن
دَهاكَ مِنَ المَنِيَّةِ ما دَهاكا
لَقَد حَكَمَت بِفُرقَتِنا اللَيالي
وَلَم يَكُ عَن رِضايَ وَلا رِضاكا
فَلَيتَكَ لَو بَقيتَ لِضُعفِ حالي
وَكانَ الناسُ كُلُّهُمُ فِداكا
يَعِزُّ عَلَيَّ حينَ أُديرُ عَيني
أُفَتِّشُ في مَكانِكَ لا أَراكا
وَلَم أَرَ في سِواكَ وَلا أَراهُ
شَمائِلَكَ المَليحَةَ أَو حِلاكا
خَتَمتُ عَلى وِدادِكَ في ضَميري
وَلَيسَ يَزالُ مَختوماً هُناكا
لَقَد عَجِلَت عَلَيكَ يَدُ المَنايا
وَما اِستَوفَيتَ حَظَّكَ مِن صِباكا
فَلَو أَسَفي لِجِسمِكَ كَيفَ يَبلى
وَيَذهَبُ بَعدَ بَهجَتِهِ سَناكا
وَما لي أَدَّعي أَنّي وَفِيٌّ
وَلَستُ مُشارِكاً لَكَ في بَلاكا
تَموتُ وَما أَموتُ عَلَيكَ حُزناً
وَحَقَّ هَواكَ خُنتُكَ في هَواكا
وَيا خَجَلي إِذا قالوا مُحِبٌّ
وَلَم أَنفَعكَ في خَطبٍ أَتاكا
أَرى الباكينَ فيكَ مَعي كَثيراً
وَلَيسَ كَمَن بَكى مَن قَد تَباكى
فَيا مَن قَد نَوى سَفَراً بَعيداً
مَتى قُل لي رُجوعُكَ مَن نَواكا
جَزاكَ اللَهُ عَنّي كُلَّ خَيرٍ
وَأَعلَمُ أَنَّهُ عَنّي جَزاكا
فَيا قَبرَ الحَبيبِ وَدِدتُ أَنّي
حَمَلتُ وَلَو عَلى عَيني ثَراكا
سَقاكَ الغَيثُ هَتّاناً وَإِلّا
فَحَسبُكَ مِن دُموعي ما سَقاكا
وَلا زالَ السَلامُ عَلَيكَ مِنّي
يَرُفُ مَعَ النَسيمِ عَلى ذُراكا
