حسين خوجلي يكتب: الوخز بالكلمات
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
الوخز بالكلمات
وخزة الصباح
ظل الفاروق رضي الله عنه منذ أكثر من ألف عام يجلد بدُرته ظهر غفلة شعوبنا من المغرب حتى إندونيسيا، ونشهد أن هذه الظهور قد أدماها اللسع وسالت منها الدماء مدرارًا، إلا أنها ظلت رغم العقاب غارقة في سباتها وغفلتها، لم تستيقظ حتى يوم الناس هذا. أما كلمة الفاروق الخالدة ما زالت طازجة وداوية: (إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ فَأَعَزَّنَا اللَّهُ بِالإِسْلامِ، فَمَهْمَا نَبْتَغِي العِزَّةَ بِغَيْرِهِ أَذَلَّنَا اللَّهُ).
هذه الكلمة الناصعة التي ما زالت تمارس الوخز والضرب والإحراق، لكن كل ذلك لم يحرك ساكنًا في الجماعات ولا النخب ولا الزعامات، وما زال السنة والشيعة يتقاتلون حول (الإمام الغائب)، ويتناسون الأمة المنكوبة (الحاضرة) الماثلة. وما زال الفقهاء يتناحرون حول خلق القرآن والفتنة الكبرى، وزمان ظهور المسيح عليه السلام، ولعجبي فإنهم لا ينتظرون عودة محمد صلى الله عليه وسلم.
يمنحون الاستعمار البلايين وشعوبهم تمشي فوق الشوك وتأكل الخبز المر، وتتمرغ فوق الجهالة. هزيمتهم تلتمع وأسلحتهم قد أكلها الصدأ وعقولهم صديد وأفئدتهم هواء وحجارة صماء {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}.
يبحثون عن عزهم المُضاع في العلمانية والماركسية والإمبريالية والوجودية والاشتراكية الإلحادية والمادية الجدلية، ويفصلون ما بين الدين والدولة والجامعة والجامع، والبرلمان والإيمان ويقرؤون التاريخ الإسلامي من الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، ويقيمون علي عبد الرازق إمامًا للفتوى، وسلامة موسى وفرج فودة مراجع للاجتهاد، ومحمود رسولًا للتغبيش والشرك الخفي والشطحات، بل ينسون ويتناسون أن الدين عند الله الإسلام، ولا تسألوني عن العاقبة فهي في أنفسكم أفلا تبصرون أفلا تعقلون أفلا تتدبرون!
عاقبة السوء التي تجلت في الجهل والفقر والمرض والدم المسفوك هدرًا وابتزازًا من الطاغوت، وإذلالًا من الصهاينة والصليبيين وقهقهة الشماتة في أودية الصمت المريب وبين يدي البحار الاغتصاب والصحارى اليباب. ومع أن الحل واضح وصريح وجلي، إلا أن النفس الأمارة بالسوء والشيطان المتحكم في البوابة يمنعهم عن ورود المنهل والمنهج والبرامج التي تمشي بين الناس خيرًا وكفاية وعدلًا {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}
رفعت الأقلام وجفت الصحف.
وخزة الظهيرة
غضب الحجاج من فتاوى ونصائح الإمام الحسن البصري، وخاف أن يؤلب القوم عليه، وذهب الوشاة للصحيح من القول والأكاذيب حتى ملأوا قلب الحجاج غيظاً وهو معروف بالانتقام المسرف عند الغضب. فقرر أن يقتص من الإمام الحسن البصري وقيل أنه قد أعد له النطع وجرد له السيف. دخل عليه الإمام مطمئناً وهو يهمس بمقولة لم يسمعها أحد، فتعجب كل من في المجلس حيث نهض الحجاج حافياً ولثم يد الحسن البصري وأجلسه وأكرمه، وقال له: إن كانت لك حاجة فسوف آتيك أنا بنفسي لقضائها فشكره الحسن وقال له: لقد كفاني الله من فضله وطلبه الإذن، فالناس كانوا ينتظرونه للصلاة ودرس العصر.
وعندما خرج لحق به حاجب الحجاج وقال له: والله حين رأيتك قادماً أمسكت ثيابي من تناثر الدم بعد أن رأيت غيظ وغضب الحجاج، ولكنني رأيتك تُتمتم بكلمات فأستحلفك الله ماذا قلت وأنت تدخل على الحجاج؟ فقال الحسن البصري: لقد دعوت دعوة فاحفظها عني فلعلها تنجيك كما أنجتني:
(اللهم إن في تدبيرك ما يغني عن الحيل، وفي كرمك ما هو فوق الأمل، وفي عفوك ما يمحو الزلل، اللهم يا ولي نعمتي، ويا مؤنسي في وحدتي، يا ملاذي عند كربتي، إجعل ما أخافه وأحذره برداً وسلاماً على قلبي كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم).
حاشية:
صحيح أن مأثورات الأدعية الصحيحة تكفي القلب والعقل وتُقرب الحاجات، بيدَ أن دعوة المرء الخالصة من قلبه وبكلماته تبلغ ذات المبلغ من الأدعية المأثورة، ودليلي على ذلك هذا الدعاء الخارج من القلب والعقل لإمامي وقرة عيني الحسن البصري رحمه الله.
وخزة المساء
وما دمنا في جوار الإمام العابد الزاهد العالم الحسن البصري فقد حضرتني لطيفة من لطائفه شاركه فيها الفقيه المعتزلي عمرو بن عبيد، فبالرغم ما كان بين الحسن البصري والحجاج من مواجد إلا أن قلبه كان خالصاً للفقه والفتوى بعيداً عن الشحناء وشح النفس.
وقيل أن رجلاً حلف بالطلاق أن الحجاج الثقفي في النار، ثم نازعته نفسه في الأمر، فذهب يستفتي الحسن البصري يسأله هل وقع طلاقه أم لا؟
فقال له الحسن البصري: أما الحجاج فكان فاجراً ضالاً ولكن رحمة الله وسعت كل شيء فلا أدري ماذا أقول لك. فذهب الرجل إلى محمد بن سيرين فرد عليه بمثل الذي قاله الحسن البصري.
فلما لم يجد حلًا ذهب إلى عمرو بن عبيد وكان فقيهاً ومعتزلياً وهم ممن يقدمون العقل في فهم النص، وكان ثائراً وغاضباً ومتمرداً على الراهن، فلما فقصَّ عليه ما حدث، أفتاه قائلاً:
إذهب إلى زوجتك فلو غفر الله للحجاج بن يوسف فما يضرك الزنا يومئذ.
حاشية:
وقيمة هذه القصة ودلالتها أنها جاءت بعد موت الحجاج.
