إبراهيم عيسى هدل يكتب: إحياء ملف الأسرى والمفقودين

إحياء ملف الأسرى والمفقودين

إبراهيم عيسى هدل

حمّلت أسرة د. علاء الدين نقد قيادة مليشيا الجنجويد المسئولية الكاملة عن ابنها وطالبت بالإفراج عنه، عقب اختفائه وانقطاع أخباره في مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور منذ قرابة الأربعة أشهر، وسط معلومات متطابقة تؤكد اعتقاله واقتياده من مكتبه إلى جهة مجهولة بواسطة المليشيا المتمردة نفسها، ويتواصل الغموض والارتباك حول مصير نقد المعيّن وزيراً للصحة فيما يُسمى بـ «حكومة تأسيس» التابعة للمليشيا.
ومن المفارقات الكبرى أن علاء الدين نقد كان من أشد المدافعين عن الجنجويد، ومن أوائل المفندين لما أعلنته منظمة العفو الدولية، في تقريرها عن ارتكاب المليشيا لجرائم ضد الإنسانية، وأعمال تطهير عرقي واسعة النطاق خلال حملتها الدموية للاستيلاء على مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور ــ وذلك قبل أن تدور عليه الدوائر ويلقى جزاء سنمار ــ حيث أكدت المنظمة أن الجرائم الفظيعة التي ارتكبتها المليشيا شملت القتل العمد، والنقل القسري للسكان، والاحتجاز التعسفي، والتعذيب، والاعتداءات الجسدية. كما وثق التقرير جرائم الاغتصاب، والاستعباد الجنسي، واستخدام العنف الجنسي الممنهج كسلاح في الحرب ضد المدنيين، بجانب ارتكاب فظائع الإبادة والاسترقاق بهدف طمس الهوية الإثنية.
ولعل الإخفاء القسري للمدنيين، يفتح ملف الأسرى والمفقودين، والذي تحركت بشأنه مؤخراً اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لتبادل الأسرى بين الحكومة السودانية ومليشيا الجنجويد، إلى جانب إجراءات الإفراج عن المحتجزين، وهي خطوة تمثل نافذة أمل لآلاف العائلات التي تنتظر منذ أكثر من ثلاثة أعوام على وقع الحرب وما خلّفته من مآسي إنسانية.
لقد عبرت المنظمات الدولية عن قلق بالغ إزاء استمرار مليشيا الجنجويد في استهداف المواطنين والمنشآت المدنية بالطائرات المسيّرة، والتهديد المباشر لحياة المدنيين، وتقويض جهود الاستقرار والعودة الطوعية، وتفاقم الأوضاع الإنسانية في المناطق المتأثرة بالحرب، لا سيما ما نشرته المليشيا لمقاطع مصورة لتصفيتها العديد من أسرى الجيش، مع تعليق لأحد عناصرها بأنهم أصلاً “لا يعرفون شيئاً اسمه الأسير”.
ومنذ اندلاع الحرب في أبريل ٢٠٢٣م، لم يقتصر أثر القتال على الشهداء والجرحى والنازحين واللاجئين، حيث تنازعت العائلات في معاناة انتظار خبر عن شخص متغيب بالاعتقال لدى المليشيا، ولم تتمكن أسرته من الوصول إليه، أو شوهد آخر مرة في مناطق الاشتباكات العسكرية، وأحياناً تتلقى الأسر معلومات لمفقودها عبر شهود ووسطاء، دون أن تتأكد من صحتها، وقد ينمو لعلمها أن قريبها نقل إلى موضع احتجاز آخر، من دون أن تحصل على تأكيد رسمي يثبت مكان تواجده أو حالته الصحية. ويكشف تقرير نشرته اللجنة الدولية للصليب الأحمر في أبريل ٢٠٢٦م، إن عدد حالات المفقودين التي تتابعها في السودان يتجاوز ١١ ألف حالة حتى أواخر مارس، من هذا العام، بزيادة تتجاوز ٤٠ ٪؜ مقارنة بنهاية عام ٢٠٢٤م.
وينبغي على المنظمات الحقوقية السودانية والناشطين، تحريك ملف الأسرى والمحتجزين والمفقودين، والإسراع في عملية تبادل الأسرى، بالتنسيق مع منظمات المجتمع الدولي الناشطة بمجال حقوق الإنسان، ويجب ألا تقتصر عمليات التبادل على العسكريين وحدهم، بل يجب أن تشمل المدنيين المحرومين من حريتهم، ويتطلب ذلك التمييز بين الأسرى والمفقودين، والتحقق من ظروف كل حالة، وضمان الحماية القانونية والإنسانية لجميع المحتجزين.