
أبوذر عوض الكريم يكتب: الذين لا يراهم الضوء
شموخ وطن
أبوذر عوض الكريم أحمد
الذين لا يراهم الضوء
في آخر النهار، يعود عامل النظافة إلى بيته حاملاً تعب مدينة كاملة، بينما يمضي الناس إلى بيوتهم دون أن يتذكروا وجهه. وفي المستشفى، تسهر ممرضة على أنفاس مريض، وفي المدرسة يكتب معلّم على السبورة حروفاً تفتح لطفل أبواب المستقبل، وفي الحقول تمتد يد المزارع إلى التراب كأنها تجدد العهد مع الحياة. هؤلاء لا تتصدر أسماؤهم واجهات الاحتفاء، لكن البلاد تستند إلى سواعدهم أكثر مما تستند إلى ضجيج الخطب.
ثمة ظلم صامت يقع على أصحاب المهن التي لا تصنع ضجيجاً؛ نعتاد وجودهم حتى ننسى أن انتظام حياتنا ثمرة جهدهم. نريد الشوارع نظيفة، والمستشفيات مستعدة، والمدارس مفتوحة، والخبز حاضراً، ثم نعبر أمام الذين يحققون ذلك كأنهم تفصيل هامشي في مشهد الحياة. والمجتمع الذي يزن الناس بالمناصب والألقاب، لا بما يقدمونه من عمل، يختل ميزانه مهما ازدانت واجهاته.
قيمة الإنسان لا تحددها المسافة التي تفصله عن مكتب المسؤول، ولا الثياب التي يرتديها، ولا ما يملكه في حسابه. في يدٍ تتقن مهنتها كرامة، وفي أمانة العامل نبل، وفي معلّم يصون رسالته رفعة، وفي طبيب يؤدي واجبه شرف، وفي مزارع يغرس البذور إيمانٌ بأن جهده سيصل إلى موائد لا يعرف أصحابها اسمه. وهذه المعاني لا تكتمل بالثناء وحده؛ إنما تكتمل بأجر عادل، وحقوق مصونة، وفرص متكافئة، واحترام لا يتبدل بتبدل المواقع.
لا يستقيم تقدير العامل مع تركه وحيداً أمام مشقة العيش وضعف الحماية. فالإنصاف يبدأ من أجر يحفظ الكرامة، وبيئة عمل آمنة، وتدريب يفتح أبواب التقدم، وقوانين تحمي الإنسان من الاستغلال. والتصفيق في مناسبة عابرة لا يرد حقاً ضائعاً، والثناء على المعلّم لا يغني عن صون مكانته، والاحتفاء بالمزارع لا يعوضه خسارة يتحملها وحده، بعد موسمٍ أودع فيه الأرض عرقه وانتظاره.
في البيوت السودانية حكايات لا تحتاج إلى شهود؛ أبٌ أخفى تعبه خلف ابتسامة كي لا يشعر أبناؤه بثقل الأيام، وأمٌ اقتطعت من حاجاتها لتكمل ابنتها تعليمها، وشابٌ بدأ من الصفر، يحمل مؤهله بيدٍ ويطرق أبواب الرزق باليد الأخرى. هؤلاء لا ينتظرون شفقة أحد؛ إنهم يستحقون فرصاً عادلة، ومجتمعاً يحترم الكفاءة، ودولةً تجعل العمل طريقاً إلى الاستقرار، لا رحلةً طويلة بين الحاجة والانتظار. فالكرامة لا تتحقق بمجرد العثور على وظيفة، بل بأن يكون العمل باباً لحياة آمنة ومستقبل ممكن.
في السوق والورشة والحقل والفصل الدراسي والمستشفى، تُكتب كل يوم فصول من حكاية السودان، بعيداً عن المنابر والكاميرات. هناك تُختبر الأمانة في تفاصيلها الصغيرة، ويظهر الإتقان في عمل قد لا يلتفت إليه أحد، وتُصان مصالح الناس بجهد أشخاص قد لا يعرف المجتمع أسماءهم، لكنه يشعر بنتائج عملهم كل يوم. ولو غابت هذه الأيدي يوماً واحداً، لاكتشف كثيرون أن ما اعتادوه من انتظام الحياة لم يكن أمراً تلقائياً، بل ثمرة سواعد تستحق التقدير.
سيبقى للمنصب صاحبه، وللشهرة بريقها، وللأسماء اللامعة نصيبها من التصفيق؛ لكن البلاد لا تقوم على الأضواء وحدها. تقوم على الذين ينجزون في صمت، ويؤدون واجبهم دون انتظار مديح، ويتركون وراءهم أثراً ينتفع به الآخرون. والشموخ الحقيقي أن تكون كرامة الإنسان محفوظة، وأن يجد العامل حقه، والعلم قدره، والجهد ثماره؛ فلا يصبح التقدير امتيازاً تمنحه المكانة، بل حقاً يفرضه العدل.
ولشموخ وطن كلمة
الأيدي التي تبني الحياة لا ينبغي أن تبقى على هامشها؛ فمن يزرع ويحصد، ويعلّم ويعالج، وينظف ويصنع، لا يستحق أن يُرى في لحظة الحاجة ثم يُنسى بعد انقضائها. إنما يستحق مكاناً لائقاً في ضمير المجتمع، وحقاً محفوظاً في مؤسساته، وحياةً لا تُهدر فيها كرامته تحت وطأة الحاجة. فالبلاد التي تعرف قدر أبنائها لا تكتفي بأن تحتفي بمن بلغوا القمة؛ بل تنصف الذين يحملون الحياة على أكتافهم، كل يوم، دون أن ينتظروا ضوءاً يلتفت إليهم.
