
أبوذر عوض الكريم يكتب: خلف رغيف الإغاثة
شموخ وطن
أبوذر عوض الكريم أحمد
خلف رغيف الإغاثة
لا يحتاج شعبنا إلى دروس في الصمود، ولا إلى من يشرح له كيف يزرع أرضه أو يستخرج خيراتها أو يصنع من مواردها أسباب الحياة. شعب يملك أرضاً بهذا الاتساع، ومياهاً وأودية وأنهاراً، وثروة زراعية وحيوانية هائلة، لا تنقصه مقومات إطعام نفسه، دعك من إطعام الآخرين. ما ينقصه أن تُترك له أرضه، وأن تتوقف الأيدي التي تعبث بأمنه، وأن يُرفع الخنجر الذي يغرسه أصحاب المصالح في خاصرته.
لذلك، فإن اختزال القضية في مؤتمرات المانحين، وأرقام المعونات، وقوائم الاحتياجات الإنسانية، يمثل ابتعاداً عن جوهر المأساة. من يريد إنقاذ الإنسان عليه أن يوقف من يقتله أولاً، ومن يريد إنهاء الجوع عليه أن يوقف تدفق السلاح والذخائر والأموال التي تطيل أمد الحرب. أما أن تتسابق العواصم في إرسال بيانات القلق، ثم تترك خطوط الإمداد مفتوحة أمام مليشيا آل دقلو، فذلك عبث سياسي لا يستقيم مع أبسط معاني المسؤولية الدولية.
المجتمع الدولي يعرف جيداً أن الحرب لا تستمر بالبنادق وحدها، وإنما بالمال والإمداد والمرتزقة وشبكات النقل والتسليح. وقد وثقت تقارير وتحقيقات دولية مسارات دعم عسكري ولوجستي للمليشيا، وربطت تحقيقات حقوقية وشهادات دولية شبكات إمداد بشخصيات وكيانات تعمل انطلاقاً من دويلة الإمارات. ولم يعد مقبولاً أن تبقى هذه الوقائع حبيسة التقارير، بينما تتواصل المأساة على الأرض.
دويلة الإمارات مطالبة بمواجهة سجلها أمام العدالة الدولية، لا بمزيد من بيانات النفي والعلاقات العامة. حكومة أبوظبي، وعلى رأسها محمد بن زايد، لا ينبغي أن تكون فوق المساءلة، ولا أن تتحول المصالح الاقتصادية والتجارية إلى حصانة سياسية تحجب الأسئلة الصعبة. من يثبت تورطه في تمويل العدوان أو تسليح المليشيا أو تسهيل وصول المرتزقة إليها، يجب أن يواجه العقوبات والملاحقة القانونية، أياً كان موقعه أو نفوذه.
نريد من مجلس الأمن، ومن الدول التي تملك القدرة على التأثير في أبوظبي، خطوات واضحة لا مجاملات دبلوماسية. وقف فوري لكل أشكال الإمداد العسكري والمالي للمليشيا، ومراقبة مسارات الطيران والشحن والتمويل، وفرض عقوبات على الشركات والوسطاء والمتورطين، والتحقيق في مسؤولية المسؤولين الذين تثبت الأدلة مشاركتهم في هذه الشبكات. أما سياسة الكيل بمكيالين، التي تجعل دماء الأبرياء مادة للبيانات بينما تظل مصالح المتورطين محمية، فقد بلغت مبلغاً لا يحتمل الصمت.
ولعل أكثر ما يستفز الوجدان أن يتحدث العالم عن إطعام شعبنا، بينما يغض الطرف عن الجهات التي تسهم في تدمير قدرته على الإنتاج. الأرض التي كانت تخرج القمح والذرة والسمسم والفول، والمزارع التي كانت تمد الأسواق بالمنتجات، والمراعي التي تحمل ثروة حيوانية لا يستهان بها، كلها لا تحتاج إلى خطب عن الإغاثة بقدر حاجتها إلى الأمن، والتمويل، والوقود، والتقاوي، والأسمدة، والطرق، وحماية الموسم الزراعي من عبث السلاح.
نحن لا نرفض يد العون لإنسان جائع أو مريض، ولا نزايد على معاناة أهلنا الذين فرضت عليهم الحرب ظروفاً قاسية. لكننا نرفض أن تتحول المساعدات إلى عنوان دائم لعلاقة العالم بشعب يملك من الموارد ما يؤهله لأن يكون مصدراً للغذاء لا مستهلكاً له. نرفض أن تُختزل قيمة هذا الشعب في عدد الوجبات التي تقدمها المنظمات، وأن تُنسى الأرض المنتجة خلف صور المخيمات، وأن يصبح الحديث عن الإغاثة بديلاً عن الحديث عن الجريمة ومن يقف وراءها.
المطلوب اليوم ليس سباقاً جديداً في جمع التبرعات، وإنما موقف دولي شجاع يضع حداً للعدوان الخارجي، ويحاسب من موّله وسلّحه وفتح له أبواب الإمداد. فالمعركة لا تنتهي بإرسال شحنة غذاء، إذا كانت شحنة السلاح التالية في طريقها إلى المليشيا. ولا يتحقق السلام بإغاثة الضحايا مع ترك من يصنع الضحايا حراً طليقاً.
وعلى مؤسسات الدولة أن تجعل استعادة الإنتاج الزراعي والصناعي والحيواني أولوية وطنية لا تقل عن أولوية المعركة العسكرية. فالأرض لا تزال قادرة على العطاء، والإنسان السوداني لا تنقصه الخبرة ولا الإرادة، وما دمرته الحرب يمكن إعادة بنائه بعزيمة أهله، متى توفرت الحماية والإدارة الرشيدة والقرار الوطني المستقل.
ولشموخ وطن كلمة:
لا تطعمونا بيد، وتسلحوا قاتلينا باليد الأخرى. لا تطلبوا منا شكر العالم على رغيف، بينما تتركون أبواب السلاح مفتوحة لمن يريد إحراق مخازن القمح وحقول الإنتاج. حاكموا من موّل الجريمة، وأوقفوا من يمد المليشيا بأسباب استمرارها، وحاسبوا كل من ثبت تورطه، وبعدها دعوا الأرض لأهلها. نحن لا نطلب وصاية على مواردنا، ولا صدقة على موائدنا؛ نريد حقنا في الحياة والإنتاج والسيادة. شعب بهذه الأرض وهذه الإرادة لا تنقصه موائد العالم، وإنما ينقص العالم موقف شجاع يكفّ أذى المتدخلين عنه.
