
عبد اللطيف السيدح: يكتب: نسخة (مقرفة) من كأس العالم بطلها المجلس الأعلى للحج والعمرة
عبد اللطيف السيدح: يكتب: نسخة (مقرفة) من كأس العالم بطلها المجلس الأعلى للحج والعمرة؟
استعصت حتى هذه اللحظة الأزمة الناشبة بين وزير الشؤون الدينية والأوقاف بشير هارون، والأمين العام للمجلس الأعلى للحج والعمرة السابق عمر مصطفى على الحل.
ووضعت المعركة سمعة المؤسسة الدينية الأعلى في السودان على المحك، ولم تعد القضية مجرد خلاف إداري عابر بين وزير وأحد موظفيه، ولا نزاعا شخصيا بين مسؤول يغادر، وآخر يتسلم الأمانة، لكنها ضربت جوهر الدولة، وهيبة قراراتها، واحترام قانون خدمتها المدني الذي كان الأسمى في محيطها العربي والأفريقي.
وانعكس قرار تجميد مهام وكف يد الأمين العام للمجلس الأعلى للحج والعمرة عمر مصطفى الموقوف بقرار من وزيره، على أكثر الملفات حساسية وارتباطا بحقوق السودانيين، وهو ملف الحج والعمرة .
فالقرار الذي صدر من وزير الشؤون الدينية والأوقاف بحق الأمين العام، يوصف بأنه ليس اجتهاد شخصي، إنما صادر من سلطة مختصة قانونا، لكن المتتبع لوضعية هذه القرارات، وهى ثمانية قرارات متتابعة يجدها جميعا قد واجهت تعنتا، ومماطلة، وتلكؤا، واستخفافا، لدرجة أن واحدا من هؤلاء الذين شملتهم هذه القرارات، قال للموظف المسؤول عن تسليمها ( قول لوزيرك الشايل قلمو اللخدر ده، بلها واشرب مويتا).
وفي ظل هذا الصراع فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو من الذي يدير هذه الدولة؟ الوزير الذي خوله القانون، أم الموظف الذي يرفض تنفيذ القرار؟
لقد بلغ المشهد درجة غير مسبوقة في قضية التسليم والتسلم بين أمين عام سابق رافض التسليم وآخر، قيل أنه يعمل بسياسة النفس الطويل، لكن المعروف من الدين بالضرورة، أن الأهلة مواقيت للناس والحج ولا يمكن أن تنتظر المماطلة وتدخل الأجاويد لحل خلاف إداري بين وزير وأحد موظفيه.
وحتى لايضار ملف الحج والعمرة فقد اضطرت وزارة الشؤون الدينية والأوقاف إلى تشكيل لجنة ضمت مستشارا قانونيا، وممثلا لديوان شؤون الخدمة، إضافة للمدير المالي للمجلس الأعلى للحج والعمرة، للقيام بعملية التسليم والتسلم للأمين العام الجديد، لكي يتمكن من تسيير مهامه بصورة طبيعية وقد بدأ فعليا في إصدار عدد من القرارات الجديدة.
لكن مما يؤسف له أن النزاع على الشرعية أصبح يمارس في البلد المضيف، وليس أدل على ذلك من أن يسيطر الأمين العام السابق على أحد مقار بعثة الحج السودانية (يعمل فيه شنو ما معروف)، ويجاوره في مبنى آخر الأمين العام الجديد المكلف بقرار من الوزير. لقد نظم لكم مجلسكم الأعلى للحج والعمرة أيها السودانيون نسخة أخرى من كأس العالم شعارها الأنانية والقرف لدرجة الغثيان.
وما يحدث داخل بعثة الحج السودانية في مكة المكرمة من شقاق، وممارسات يندى لها الجبين يعكس حجم الأزمة التي وصلت إليها المؤسسة الدينية التي يفترض أنها تستعد منذ الآن لتنفيذ مصفوفة حج 1448هـ الصادرة من وزارة الحج والعمرة السعودية، وبها اشتراطات صارمة لا تعترف بالخلافات الداخلية ولا تنتظر من يحسم معاركه الإدارية.
وتزداد خطورة المشهد في عملية عدم التسليم والتسلم مع اقتراب سفر الأمين العام السابق إلى جهة ما خوفا على انتهاء تأشيرته وهو داخل المملكة، بينما ما تزال ملفات المجلس عالقة، مما يترك علامات استفهام كبيرة حول مصير الوثائق والالتزامات الإدارية والمالية والفنية المرتبطة بموسم الحج الماضي والمقبل.
إن القضية اليوم لم تعد مرتبطة باسم شخص أو منصب، وإنما أصبحت اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة على فرض سيادة القانون داخل مؤسساتها، فالدولة التي تعجز عن تنفيذ قرارها الإداري داخل مؤسسة واحدة، تترك بابها مشرعا أمام سوابق بالغة الخطورة، عنوانها الأبرز أن القرارات يمكن أن تصبح مجرد أوراق بلا قوة تنفيذ.
والمؤسف أن هذه المعركة التي وصفت بغير النظيفة والمقرفة، تدور بين المتصارعين، بينما ينتظر آلاف السودانيين تباشير لترتيبات جيدة لموسم الحج المقبل.
إن التاريخ الإداري يعلمنا أن الأزمات لا تصنعها القرارات، وإنما يصنعها التمرد على تنفيذها،والدول لا تنهار بسبب اختلاف المسؤولين، بل عندما يصبح احترام القانون خيارا لا التزاما.