د. حسن محمد صالح يكتب: في ذكرى الإنقاذ ١٩٨٩م

موقف

د. حسن محمد صالح

في ذكرى الإنقاذ ١٩٨٩م

مرت أمس الذكرى الخامسة والثلاثين لثورة الإنقاذ الوطني التي نفذها العميد يومها عمر حسن أحمد البشير في صبيحة الجمعة ٣٠ يونيو ١٩٨٩م، وأطاحت بحكومة السيد الصادق المهدي رئيس الوزراء المنتخب عن حزب الأمة. ولا نريد الدخول في تفاصيل ما حدث خلال ثلاثين عاماً من عمر الإنقاذ الوطني، فقد جرت مياه كثيرة تحت الجسر، وتبدلت أحوال وأوضاع اقتصادية واجتماعية وثقافية، وتغيرت الخارطة السودانية نفسها بانفصال الجنوب وقيام دولة جنوب السودان.
الإنقاذ ثورة لم يكن مجرد اسم أطلقه عليها أنصارها، بينما خصومها يصفونها بانقلاب البشير تارة، وانقلاب الكيزان تارة أخرى، ولكن مصطلح الثورة ينطبق على الإنقاذ لأنها هدفت لتغيير واقع كان يعلمه القاصي والداني، وهو واقع متردٍ طابعه الفشل الذي ميّز الحكومات الائتلافية التي تشكلت أكثر من ثلاث مرات خلال ثلاثة أعوام، بواقع حكومة لكل عام تقريباً، وأكبر دليل على رداءة الأوضاع يومها هي مذكرة القوات المسلحة التي تم رفعها إلى رئيس الوزراء وأمرته بتغيير حكومته، ولم تكن تلك بداية إنهاء الديمقراطية في السودان، ولكنها كانت الأخطر على الإطلاق. ولم تكن رغبة الشعب السوداني في التغيير عبر انقلاب عسكري خافية على أحد، ولم تكن العملية الديمقراطية مطمئنة لكل القوى السياسية الموجودة في ذلك الزمان، فقد ساء القوى الطائفية ممثلة في الحزبين الكبيرين والقوى اليسارية التي تحالفت معها في دائرة الصحافة ضد الدكتور حسن عبد الله الترابي الأمين العام للجبهة الإسلامية القومية رحمه الله، ساءهم أن تحصل الجبهة الإسلامية على تلك المقاعد في البرلمان، وهي حوالي ٥٢ مقعداً في دوائر الخريجين والدوائر الجغرافية. وتوعدت هذه القوى الإسلاميين في السودان بحرمانهم من الترشح في الانتخابات القادمة من خلال تعديلات دستورية شرعوا فيها، وتصريحات لأحد قادة الحزبين بأنهم لن يسمحوا للجبهة الإسلامية بخوض الانتخابات لأنها حزب ديني إرهابي.

٢

أهم الفئات التي انحازت لثورة الإنقاذ الوطني هي القوات المسلحة السودانية التي واجهت الإهمال والضياع وهي تخوض الحرب في الجنوب من غير عدة ولا عتاد، ولن ينسى الشعب السوداني البرقية التي أرسلها قائد حامية الناصر العسكرية لرئيس الوزراء الصادق المهدي، ويقول له فيها: خنادقنا مقابرنا، ولن ينسى الشعب المدن التي كانت تتساقط في الجنوب بواسطة حركة التمرد التي استغلت ضعف حكومة الأحزاب، ولن ينسى السودانيون نشاط الطابور الخامس وعصابات السلب والنهب في قلب الخرطوم، ولا حالة الغلاء الطاحن وندرة السلع في الأسواق وانعدام الخدمات الأساسية من كهرباء وماء حتى في العاصمة. ولن تنمحي عن ذاكرة الجيش والشعب ما لحق بالقوات المسلحة بعد ثورة ١٩ ديسمبر ٢٠١٩م، وما فعله نشطاء الحرية والتغيير من ازدراء للقوات المسلحة والعمل على تفكيكها واستبدالها بقوات الدعم السريع عبر الاتفاق الإطاري، والتخطيط لانقلاب عسكري بقيادة الدعم السريع في ١٥ أبريل ٢٠٢٣م، وإشعال الحرب القائمة الآن بعد فشل الانقلاب العسكري بدعم إقليمي تقوده دولة الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. وقد أقر كل الشهود من العسكريين والمدنيين في محكمة مدبري انقلاب الإنقاذ إن التغيير الذي حدث في ٣٠ يونيو ١٩٨٩م قامت به القوات المسلحة، والقوات المسلحة بجميع وحداتها باركت الانقلاب واستلام السلطة في السودان، وستظل القوات المسلحة حاضراً ومستقبلاً شريكاً في إدارة السودان، ولو تم تشكيل حكومة مارغريت تاتشر في السودان، لأن العسكر لن يأمنوا الأحزاب على أنفسهم، وقد اكتووا بنيران القحاطة والدعامة والطائفية. وما يجدر ذكره أن الدكتور عبد الله حمدوك له تصريح شهير بأن التحالف بين المدنيين والعسكريين هو أفضل صيغة لحكم السودان، ولكن حمدوك من شاكلة الذين يقولون ما لا يفعلون ويحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا. والحقيقة التي لا مراء فيها إن الجيش عوده راكب في أي حكومة سودانية، وتظل القوات المسلحة مسؤولة عن قطاع الأمن والدفاع في السودان على أقل تقدير إلى أن تقوم الساعة، وهذا مطلب الشعب السوداني الذي همه الأول والأخير تحقيق الاستقرار الأمني في البلاد بعد تجربة الحرب والنزوح واللجوء وامتهان كرامته بواسطة قوات الدعم السريع وحلفائها في تقدم وقحت.

٣

كون الإنقاذ الوطني كانت انقلاباً عسكرياً قامت به الجبهة الإسلامية القومية، فهذا العمل ليس غريباً على الأحزاب السودانية، وإذا كان حزب رئيس الوزراء الصادق المهدي رحمه الله قام بتسليم السلطة للفريق إبراهيم عبود في نوفمبر ١٩٥٨م، والحزب الشيوعي السوداني نفذ انقلاب ٢٥ مايو ١٩٦٩م، وكذلك انقلاب حزب البعث العربي الاشتراكي في رمضان من العام ١٩٩٠، وقبله وإلى يومنا هذا يخطط البعثيون للانقلابات في السودان، فما الذي جعل الإنقاذ انقلاباً يُحاسب قادته ولا يُحاسب الآخرون؟ وهذا لا يعني إنكار الانقلاب العسكري في حد ذاته بقدر ما المقصود تصفية حسابات مع قوى سياسية بعينها، وبين يدينا انقلاب قائد قوات الدعم السريع حميدتي الذي خططت له قوى الحرية والتغيير قحت مع الرباعية، فنحن إذاً أمام حالة نفاقية مكتملة الأركان وعملية تراجيدية للكَيْل بمكيالين، وهذا ما ضيع العدالة في كافة المنابر التي تستخدم طريقة: عين الرضا عن كل عيب كليلة، وعين السخط تبدي المساويا، كان ذلك في المجتمع الدولي ومجلس الأمن أو كان في الأحزاب السياسية السودانية وحكوماتنا ومؤسساتنا العدلية، إلا من رحم ربي.

٤

التغيير الذي أحدثته الإنقاذ الوطني في الواقع السوداني لا يقتصر على مشروعات التنمية العملاقة واستخراج النفط وبث التعليم بتشييد المدارس والجامعات في كل السودان، ولا لتأسيس المستشفيات وتوطين العلاج من الداخل، ولكن الإنقاذ عملت على الإجابة على السؤال السرمدي في السودان، وهو: كيف يُحكم السودان؟ ونظمت مؤتمرات الحوار الوطني، وأقر دستور ١٩٩٨م التعددية الحزبية وحرية الصحافة والإعلام عبر وثيقة الحريات، ولكن المؤامرة ضد السودان ظلت مستمرة، وتم إشعال الحرب في دارفور، وكما قال المتمرد عبد الواحد محمد نور رئيس حركة تحرير السودان الدارفورية: نحن الذين أسقطنا النظام لأننا جعلنا الأموال التي ادخرها نظام الإنقاذ لرفاهية الشعب لكي يعيش في بحبوحة تتجه إلى الحرب التي أشعلناها، وجاع الناس وثاروا ضد النظام.

أخيراً:

نقول إن الإنقاذ كانت ثورة جاءت عبر انقلاب عسكري، كما جاءت ثورة ١٩٥٢ بقيادة الضباط الأحرار في مصر، واستمرت ثورة لأنها رفعت شعارات ثورية مثل القضاء على نظام الإقطاع وتحقيق العدالة بين المصريين وتوزيع الأرض وفك الرهن الدولي عن قناة السويس، وحققت بعض الشعارات وأخفقت في أخرى. وجاءت الإنقاذ بشعارات الوحدة الوطنية وتحقيق السلام في جنوب السودان وتطبيق نظام حكم لا مركزي أو فدرالي وتطبيق الشريعة الإسلامية، وتحققت كثير من الشعارات. أما سقوط نظام الإنقاذ فهو هدف قديم للمعارضة السودانية والقوى الإمبريالية المتحالفة مع المعارضين السودانيين عسكرياً وسياسياً ضد نظام الإنقاذ في السودان، واستطاعت الإنقاذ أن تصمد ثلاثين عاماً وهي تحفر الصخر، والتف حولها الشعب السوداني بصورة غير مسبوقة، وقد سقط النظام من الداخل بانقلاب عسكري قامت بتنفيذه اللجنة الأمنية للرئيس البشير باسم الانحياز إلى ثورة شعبية مصنوعة، وآخر كلمات المشير عمر حسن أحمد البشير لضباط المنظومة الأمنية الذين أبلغوه أنهم قد استولوا على السلطة قال لهم: خير… وابقوا عشرة على الشعب السوداني. تصور لو جاء ياسر عرمان وخالد سلك ومريم الصادق المهدي والدقير والبرير لكي يقولوا هذا الكلام للبشير، سيكون رده أنكم غير مؤتمنين على الشعب وتشموها قدحة، ولكنهم مسكوا الرجل من يده البتوجعه، وهو الذي أعلن في خطابه أمام مهرجان القوات المسلحة للرماية في وادي الحمار: لو جاء لاستلام السلطة عسكري بنديه تعظيم سلام.
وهذه هي مسيرة الإنقاذ وما أرسته من طرق وأساليب، وكيف غادرت مسرح الأحداث في فاصل درامي مثير للجدل في الحياة السودانية السودانية.