حسين خوجلي يكتب: مسدار الفنجري
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
مسدار الفنجري
1
عندما قرأت بيان وزارة الخزانة الأمريكية التي تُعاقب وتحظر الشركات التي تقدم خدمات من حُر مالنا لاستيراد حاجيات القوات المسلحة من أحذية وملابس وذخيرة، ضحكت ساخراً وباكياً هل وصل السقوط بأمريكا للدرجة التي لا تمنحك شيئاً وحتى الذي تمتلكه من عرق الشعب وهو يدافع عن أرضه الطيبة تحاصره بالمقاطعة. لم يبق لوزارة الخزانة الأمريكية إلا أن تصادر أسنان وأظافر الشعب السوداني وهو يقاتل في بسالة الأوغاد المدعومين وحتى إن صادروها فسوف تقاتلهم المقابر. وكانت التعزية من الشعر الشعبي السوداني
اللا بانيك ولا صارف عليك موجود
كلامو (عليك) متل خنق الحبل في العود
الأرزاق مقسمة والعمر محدود
والهواء عند كريما بابو مو مسدود
تُرى هل أبقت الحرب ورصاص المليشيا والسرقات في أوديتنا وشواطئنا كل طيورنا المهاجرة والأليفة؟ أم أنها قضت عليها كما قضت على الخير والحق والجمال وهل يا ترى ما زالت في شواطئ الشَرَفة طائر السُقُد المساهر عشقاً حتى الصباح بصوت الثاكل الحزين؟ وهل ما زال ذلك الشاعر المتبتل القومي الذي يجيد التخاطر مع محبوبته وهي في البعيد؟ وهل أبقت جرائم العملاء تلك المفردات العصية على الجَهَلَة مثل: (العصمة، الجسارة والمناقرة) أم أنها ذهبت مع المفردات الرصينة مسرى الريح ورحيل الهشيم
البارح طوير السُقْده ما وازرني
قلبي مِسدّي ظنيتو البريدو ذكرني
مافيش مانع إن دَار دمي وإن أفقرني
مع اخلاصو معصوم ما جَسَر ناقرني
حاشية:
وأهلنا في الوسط يوصون الزوجة على زوجها ناصحين ومعاتبين (المناقرة بتكسر الحجر).
2
كان للكابلي صداقة خاصة مع الشاعر الفقيه محمد ود الرضي وكان كلما يقابله يدعوه لوليمة يجمع لها الأصدقاء وقد أكمل له قصيدة (نوم عيني البقي لي سهر) وكان الكابلي لا يحفظ منها إلا (العصاية) وهي أغنية لمحمد ود الفكي وفي أقل من نصف ساعة كتب له ود الرضي كامل الأغنية المسجلة بالإذاعة:
المُدلَلَّ حَين جَانَا سَايِرْ
مَرحَـــبْ مَشّـتُول الجَزَايِرْ
المُكَحَّـل وخِدَيدَو نَايِر
القَمَرْ بينَاتْ الضّفَايِرْ
وقد أهدي ود الرضي الكابلي حصرياً:
يعاينـن توبتي في كامن ضمـيري ويمحـن
والشاف فاتن جمالـن وانتشـارن يمحـن
قلوباً ما انكون بي نار غرامن قمحـن
الله يكبـرن الكبرنـي وسمحـن
حاشية:
وكان الكابلي يقول مداعباً لود الرضي وعندما استجاب الخالق العظيم لدعوتك (وكِبْرن) صرت أنت كهلاً ويضيف عليها (الله يصغرك) فيرد عليه ود الرضي ضاحكاً: من لسانك لي باب السماء.
3
ومن أمراء شعراء الدوبيت ود شوراني وهو من آخر الكبار الخُلص في هذا الباب من الشعر والأدب. ومن غرائب ما سمعته أن الدكتور الاقتصادي عصام الترابي يحفظ له مسدار حول رحلة مطولة في البطانة من ألف بيت لا يخطئ منها في بيت واحد، وأحسب أنها موثقه لدى إحدى القنوات.
ومن جميل شعره في النسيب:
لي تعباً مطول منو خِلاّي حابسو
جيتو الليلة وتبريح الضرب فوق يابسو
أب خداً بيلمع بالغضب مو عابسو
متوطي الحشم توب المحامد لابسو
4
ودائما ما أسأل أحباب أدب المسدار والدوبيت عن أشعار حاج المهدي الكباشي وشقيقيه حسن التوم وصديقه محمد شريف محمد سعيد العباسي ولمحمد شريف هذا معنى لا يطاله إلا أهل الإجادة وأهل الحذق والمعرفة إذ يصف وجهاً قد امتلأ جمالاً حتى فاض وفيها يقول:
للوزره المعاك الليلة ماك مترفق
وجنحاتك بلا الدغش البليبو يصفق
شن جابرك علي الوادي الدبيبو يشفق
غير زولاً وشيهوا من الملاحة يدفق
5
ومن مبالغات عكير الدامر في الغزل أنه تجرأ يوماً وصافح إحدى عفيفات الدامر فأنشد قطع أخدر معبراً عن ذلك الموقف الخطير:
ختت أيدها فوق إيدي انجذبت خِدرت
حبيت أمشي من كُتر الطرب ما قدرت
بقت الحنة بين إيديا وايدا اندرت
لولا الحنة بيني وبينها كنت ودرت
حاشية: والملاحة في تعبير عكير أن الحنة ليس لها قوام ولا سُمك ولكنه جعل منها حاجز وفاصل.
6
من روائع ولطائف وتواضع المناضل والشاعر والمطرب خليل فرح أفندي الذي قضى عمره منادياً بالاستقلال والتحرر ومحاربة المستعمر وقد ناله من ذلك أذىً كثير، إلا أنه رغم هذه الجسارة كان يدعو لمدنية وهو ملتزمٌ بها والانضباط بالقانون وشرعية المؤسسات وأن التقاضي أمام العدالة والقانون وليس باليد والاقتلاع والتمرد، وهي رسالة لهؤلاء الأوباش الذين يقتلون ويغتصبون وينهبون ويدمرون ويحسبونها شجاعة وفروسية يقول الخليل في تواضع شفيف:
مدني وحشيم ماني الجسور
من أعلى سكان القصور
لا بسبي لا بهجم بثور
لا بشبه الأسد الهصور
7
من مقولات الشاعر والكاتب والضابط المتمرس مبارك المغربي (كنت في غاية الحزن حينما علمت أن الشاعر الضخم إبراهيم العبادي قد ترك مجال الأغنية واتجه إلى المسرح، لكنني رضيت عن الرجل حين قرأت مسرحية المك نمر، وهي دفتر عامر بمكارم الأخلاق وبديع الصور ورفيع الأخيلة وهي دعوة لأبناءنا وأحفادنا لقراءة وحفظ مثل هذه الأشعار فهي تُعلم الناس الفصاحة ومكارم الأخلاق).
وما زالت في ذاكرتي أبياته في مدح النمر حارق الباشا الغشيم وجنوده المستعمرين الغزاة القتَلة:
نمراً بركب الكيك البطر وإتحرّن
نمراً بِقلب العوق أب صفوفاً جرّن
خلوات صدرو في علوم الحروب كم قرّن
سيفو بينتف الدرع الحديدّو مقرّن
مو نمر الشدر حاضن فروعو مقيّل
دا النمر البسف الصف محل مايميّل
كل ما أقول شُكر ألقاهو فيهو قِليل
كفو بيخجل العينة السحابا منيل
نمراً مابفز حاشاهو كلا وحاشا
لمام لي الهمائل البي العتامير طاشا
ذو عفة وثبات وكرماً معاهو بشاشا
وتشهد دار جعل يوم حريقة الباشا