
محجوب أبو القاسم يكتب: د. مزمل سليمان وأ. الطيب قسم السيد يوثقان سنوات المحنة
محجوب أبوالقاسم
يكتب
د.مزمل سليمان وأ.الطيب قسم السيد يوثقان سنوات المحنة
لم يكن صوتا الدكتور مزمل سليمان حمد والأستاذ الطيب قسم السيد غريبين على آذان السودانيين فعبر سنوات طويلة ارتبط اسماهما بأثير الإذاعة السودانية حيث عرفهما الجمهور من خلف الميكروفون يحملان الخبر والكلمة والبرنامج بصوتين رسخا في ذاكرة المستمعين لكن الحرب التي فرضت على السودانيين واقع قاسي وأجبرت الملايين على النزوح واللجوء فتحت أمامهما مسار جديد للإبداع فانتقلا من صناعة الصوت إلى صناعة الذاكرة الوطنية.
لقد كشفت المحن معادن الرجال وأثبتت أن المبدع الحقيقي لا تحده المنصات ولا تقيده الظروف فبينما فرقت الحرب الناس عن ديارهم استطاع هذان الإعلاميان أن يحولا التجربة القاسية إلى مشروع للتوثيق والكتابة إيمانا بأن الأمم التي لا توثق تاريخها تتركه عرضة للنسيان أو التحريف.
الدكتور مزمل سليمان حمد وبعد مسيرته العلمية التي توجت بالحصول على درجة الدكتوراة اختار أن يوثق واحدة من أكثر الفترات إثارة للجدل في تاريخ السودان الحديث عبر مؤلفه إزالة التمكين في السودان.. الممارسات والآثار في الجزء الأول الذي دشنته نقابة المحامين السودانيين بالقاهرة وشهده حضورا نوعيا ضم قانونيين وقضاة ودبلوماسيين وأكاديميين إلى جانب الأمين العام لاتحاد المحامين العرب في فعالية عكست أهمية العمل التوثيقي الذي أنجزه.
ولا يقدم الكتاب مجرد سرد للأحداث بل يسعى إلى توثيق مرحلة مفصلية وجمع الوقائع والوثائق المتعلقة بأداء لجنة إزالة التمكين سئية الذكر لتبقى مادة للأجيال القادمة والباحثين في تاريخ السودان السياسي والقانوني. وهو جهد يستحق الإشادة لأنه يضيف وثيقة جديدة إلى المكتبة السودانية في مرحلة ما تزال تداعياتها حاضرة في المشهد الوطني.
وفي المقابل اختار الإعلامي القدير الطيب قسم السيد أن يروي الحرب من زاوية الإنسان والإعلامي معا فبعد سنوات من التألق الإذاعي برز ككاتب صحفي ومؤلف مستثمرا خبرته الطويلة في صياغة الحكاية ونقل التفاصيل.
ويستعد الطيب لإصدار كتاب قصص الكرامة الذي يقع في 225 صفحة ويضم شهادات وروايات عن الحرب إلى جانب قصص عاشها بنفسه خلال رحلة النزوح القاسية بعد مغادرته قسرا منزله في حلفايا الملوك وتم تقديم للكتاب من سعادة اللواء معاش الدكتور يونس محمود واللواء معاش الهادي بشرى في محاولة لتقديم قراءة توثيقية لأحداث هذه المرحلة من زوايا متعددة وقد سبق ذلك عمل توثيقي آخر حظي بتبني من وزارة الثقافة الإعلام.
إن ما يجمع بين مزمل سليمان حمد والطيب قسم السيد ليس فقط انتماؤهما إلى المدرسة الإذاعية السودانية وإنما إيمانهما بأن الكلمة تبقى وأن التوثيق مسؤولية وطنية قبل أن يكون عملا أدبيا أو إعلاميا فقد حملا رسالة الإعلام عبر الميكروفون ثم واصلا حملها عبر صفحات الكتب ليضعا بين أيدي الأجيال القادمة شهادات عن واحدة من أصعب الفترات التي مرت بها البلاد.
إن المبدعين في السودان يستحقون كل الدعم والرعاية من الدولة فالأمم لا تبنى بالسلاح وحده وإنما تبنى أيضا بالكلمة الصادقة والوثيقة الأمينة والذاكرة التي تحفظ للأجيال حقيقة ما جرى.
التحية للدكتور مزمل سليمان حمد وللأستاذ الطيب قسم السيد ولكل من اختار أن يجعل من قلمه شاهدا على التاريخ وأن يحول الألم إلى معرفة والتجربة إلى وثيقة لتظل ذاكرة الوطن حية ولتعرف الأجيال القادمة كيف واجه السودانيون المحنة وكيف بقيت الكلمة الصادقة واحدة من أقوى أدوات الانتصار.
ولنا عودة