حسين خوجلي يكتب: من هدايا الأحبة والأصدقاء

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

من هدايا الأحبة والأصدقاء

بوابة الدخول:

للكتابة اليومية في السياسية وقضيا المجتمع والناس تحت ظلال النكبات التي تمر بها بلادنا وسائر بلاد المسلمين رهق وقلق وضجرٌ تحدثه في النفس. ويبدو أن بعض الأحبة قد لَحظوا عنت الكتابة اليومية ومشقتها، فأصبحوا يرسلون لنا أحياناً بعض الهاديا من الأقوال والحكايات مما يُعين على التأسي والعزاء ويعين على نوائب القلم والقرطاس وهزائم الواقع السياسي الراهن.
ومن الذين يداومون على أمثال هذه الهدايا الطيبات الكثيرون من أهل السودان بالداخل وأهل السودان في المنافي والمرافئ. وقد حدثت نفسي وفعلت فجعلت مقال اليوم مساحة لهم، جزاهم الله خيراً على جميل النصائح والمنح والهدايا وأرجو أن لا يقطعوا صِلتهم هذه فهي من باب الوشائج اللدُنية والصدقة الجارية.

 

1
ومن الأحباب الذين يداومون على هذه الهدايا الأخ اللواء محمد الحسن إبراهيم وهو رجل متعلق بالمأثورات وأخبار الزهاد والعباد والصالحين، وله اختيارات مطبوعة في أدعية القربى من الحق عز وجل ودلائل الخيرات. وقد سرني أنه قد أرسل لي البارحة خبر الجارية الصالحة التي جعلتها ابتداراً فحظ النساء في توثيق العمل الطيب قليل رغم صلاحن وخشوعهن وحبهن للخالق العظيم.
يقول سعادة اللواء في رسالته عن حكاية الجارية العابدة أن:
رجلاً من التجار والأعيان قال: دخلت السوق فرأيت جارية يُنادىَ عليها بالبراءة من العيوب فاشتريتها بمئة دينار من الذهب فلما انصرفت بها أي إلى المنزل عَرضتُ عليها الطعام فقالت لي : إني صائمة.
قال: فخرجت فلما كان العشاء أتيتها بطعام فأكلت منه قليلاً، ثم صلينا العشاء فجاءت إلي وقالت: يا مولاي بقيت لك خدمة؟
قلت: لا.
قالت: دعني إذاً مع مولاي الأكبر.
قلت: لك ذلك.
فانصرفت إلى غرفة تصلي فيها، ورقدت أنا فلما مضى من الليل الثلث ضربت الباب عليّ، فقلت لها: ماذا تريدين؟
قالت: يا مولاي أما لك حظ من الليل؟
قلت: لا فذهبت فلما مضى النصف منه ضربت علي الباب. وقالت: يا مولاي قام المتهجدون إلى وردهم وشمر الصالحون إلى حظهم.
قلت: يا جارية أنا بالليل خشبة (أي جثة هامدة) وبالنهار جلبة (كثير السعي).
فلما بقي من الليل الثلث الأخير، ضربت علي الباب ضرباً عنيفاً.. وقالت: أما دعاك الشوق إلى مناجاة الملك
قدم لنفسك وخذ مكاناً فقد سبقك الخُدام.
قال: فهاج مني كلامها وقمت فأسبغت الوضوء وركعت ركعات ثم تحسست هذه الجارية في ظلمة الليل فوجدتها ساجدة وهي
تقول: (إلهي بحبك لي إلا غفرت لي)
فقلت لها: يا جارية ومن أين علمت أنه يحبك؟
قالت: أما سمعت قول الله تعالى (يحبهم ويحبونه) ولولا محبته ما أقامني وأنامك.
فقلت: اذهبي فأنت حرة لوجه الله العظيم.
فدعت ثم خرجت وهي تقول: هذا العتق الأصغر بقي العتق الأكبر (أي من النار).
حزنت عندما قرأت قول أحد الصالحين:
(إذا رأيت نفسك متكاسلآ عن الطاعة ، فاحذر أن يكون الله قد كره طاعتك)
قال تعالى في سورة التوبة {كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ}

2
ومن الذين يعينون بالهدايا والحكمة الصحفي النابه الأديب عمر عبدالعظيم بخيت وله موهبة في الاقتناء واختيار رصين القول وحكيم الحكايات. وكان يبعث لنا بحزمة من هذه الأحاديث الرصينة الماتعة فاخترنا هذه الحكاية في باب الرزق {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}
قيل: وفد عروة بن أذينة على هشام بن عبد الملك فشكا إله فقره فقال: ألست القائل:
لقد علمت وما الإسراف من خلقي
أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى إليه فيعيبني تطلبه
وإن قعدت أتاني ليس يعيبني
وخرجت الآن من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق؟ فقال: يا أمير المؤمنين، وعظت فأبلغت.
وخرج وركب ناقته وكر إلى الحجاز راجعاً، فلما كان الليل نام هشام على فراشه فذكر عروة وقال: رجل من قريش قال حكمة ووفد علي فرددته خائباً. فلما أصبح وجه ليه بألف دينار فقرع عليه الرسول باب داره بالمدينة فأعطاه المال فقال: أبلغ عني أمير المؤمنين السلام، وقل له: كيف رأيت قولي، سعت فأكديت، فرجعت خائباً، فجلست في داري فأتاني رزقي في منزلي.

3
عائلة أبو كشوة التي اشتهرت بالإدارة والتعليم والسياسة والأدب والظرف، وخَرَّجت الكثيرين من الذين أضافوا العديد من الفضائل للشعب السوداني ومنهم الراحل ورجل المجتمع الإداري الفذ عثمان أبو كشوة خريج حنتوب وجامعة الخرطوم ومدير مصنع النسيج السوداني ورئيس إتحاد أصحاب العمل السابق الذي عُرف عنه الاحتفاء بخريجي حنتوب من زملاءه، وقد جمع بينهم في محبة رغم الاختلاف السياسي.
ومن نساءهم اللائي تشرفت بهن نون النسوة السودانية العالمة الفاضلة الدكتورة سمية أبو كشوة وزير التعليم العالي وعميدة كلية العلوم جامعة الخرطوم ونائب مدير جامعة الخرطوم لاحقاً، ومن البارزات المتميزات أيضا الدكتورة سعاد أبو كشوة مدير مركز الدراسات الإنمائية بجامعة الخرطوم وآخرين وأخريات، فلهم معزتنا ومودتنا في كل مقام نزلوا فيه داخل السودان وخارجه.
ويبدو أنهم قد أورثوا هذه الظرف والاهتمام بالأدب لأحفادهم ومن هؤلاء الأداري الشاب محمود جعفر أبو كشوة وقد أرسل لنا هذه القصة الموحية عن إحدى القيادات المايوية الذي حكى بأنه زار أمريكا ورُتبت لهم زيارة خاصة لوكالة ناسا للفضاء.
تقول القصة:
أن وزيرًا في حكومة نميري، وكان مثقفاً لا يشق له غبار وكان صاحب دعابة ونكته فقال: زرنا أمريكا في سبعينيات القرن الماضي، وأثناء تجوالنا في وكالة ناسا التي دُعينا لزيارتها صادفنا حضور إطلاق ماكوك فضائي.
فقال: (وأنا بعاين للماكوك والصاروخ ماشي بيهو للمدار بتاعو اتذكرت اتنين من عربنا من شرق الله البارد، مشوا سوق المسلمية) بعد حملة لقيط ناجحة للقطن قاموا بشراء (مراكيب جديدة لنج) فصاروا يتأملونها في إعجاب ويقلبونها يُمنة ويُسره مذهولين لنعومتها ولَمعانها وخياطتها المجودة، وأنها كانت على المقاس (قميص عامر) حينها التفت أحدهم إلى صاحبه قائلاً في دهشة: (والله يا بابكري اخوي ناس المسلمية ديل ما غلبتهم إلا الروح)!

4

رغم إنشغال الأخ الإعلامي المستنير الطاهر حسن التوم بالسياسة والتحليل والتوثيق والحوارات الذكية، إلا أن شغفه بالأدب لم يبارحه وهي فضيلة أخذها عن والده الصحفي الأديب والكاتب والموثق حسن أحمد التوم، أحد أصدقاء وتلاميذ العميد عمر الحاج موسى والبرلماني الشهير ورئيس تحرير مجلة الشباب والتي كانت يومها من أزهي المجلات السودانية طباعة ومادة وأكثرها توزيعاً، ونرجو إن أبقى الزمان منها شيئاً أن يُخرج لنا الأخ الطاهر مختارات منها تصلح كتاباً أو كتب للأجيال الجديدة.
وكلما قابلنا الأخ الطاهر إبتدر حديثه بفكرة أو حدث يستحق التأمل أو قصيدة ومما أذكره للأخ الطاهر هذه القصيدة للشاعر أحمد مطر وهو يقدح في الاستبداد والمستبدين بطريقته الساخرة (والجملة الأخيرة أعني بها مطر لا الطاهر) فالرجل يكفيه ما يعانيه من سوء الفهم وسوء القصد.

زارَ الرّئيسُ المؤتمن
بعضَ محافظات الوَطنْ
وحينَ زارَ حَيُّنا
قالَ لنا:
هاتوا شكاواكم بصِدقٍ في العَلَنْ
ولا تَخافوا أَحَداً
فقَدْ مضى ذاكَ الزّمَنْ
فقالَ صاحِبي حَسَنْ:
يا سيّدي
أينَ الرّغيفُ والَلّبَنْ؟
وأينَ تأمينُ السّكَنْ؟
وأينَ توفيرُ المِهَنْ؟
وأينَ توفيرُ الدّواءَ للفقيرِ بلا ثَمَنْ؟
يا سيّدي
لمْ نَرَ مِن ذلكَ شيئاً أبداً
قالَ الرئيسُ في حَزَنْ
أحْرَقَ ربّي جَسَدي
أَكُلُّ هذا حاصِلٌ في بَلَدي؟
شُكراً على صِدْقِكَ في تنبيهِنا يا وَلَدي
سوفَ ترى الخيرَ غَداً
وَبَعدَ عامٍ زارَنا
ومَرّةً ثانيَةً قالَ لنا:
هاتوا شكاواكُمْ بِصدْقٍ في العَلَنْ
ولا تَخافوا أحَداً
فقد مَضى ذاكَ الزّمَنْ
لم يَشتكِ النّاسُ!
فقُمتُ مُعْلِناً:
أينَ الرّغيفُ والَلّبَنْ؟
وأينَ تأمينُ السّكَنْ؟
وأينَ توفيرُ المِهَنْ؟
وأينَ توفيرُ الدّواءَ للفقيرِ بلا ثَمَنْ؟
وَأينَ صاحبي حَسَنْ!

5

الأخ الصديق العميد إبراهيم مهدي كفاءة سودانية جديرة بالاحترام والاحتفاء. فالرجل فوق ثقافته ومعرفته الفياضة بلغة الفِرنجة وأحوالهم فهو أرشيف سياسي يمشي على قدمين والذين استمعوا للرجل مُتحدثاً ومُحاوراً يصيبهم حزن كثيف أننا نُخطئ حين نُهمل كفاءات مثل إبراهيم مهدي، وهؤلاء على نُدرتهم يستحقون إدارة مركز سوداني متميز ومتكامل لتوثيق تاريخ بلادنا وعلاقتها بنفسها وبالآخرين.
والرجل من الذين يكتبون لنا ونرجع لها في كثير من المعلومات حول تخصصه في السياسية الداخلية والخارجية المسموح بها وغير المسموح. وقد كتب يوماً هذه الحكاية الحقيقية عن تجربة في حياته حيث قال في (حكاية قصيرة لعنوان منسوب لغير الحقيقة):

في مطلع السبعينات كنت دارسا في معهد المعلومات والأمن بجامعة كلورادو بالولايات المتحدةالأمريكية ، فوجدت مرجعاً يعتدون به كثيراً فترجمته وقلت لهم: إنكم لم تأتوا بجديد وهذا المنهج قد عرفناه قبل أكثر من ألف عام. قرأت عليهم حوار سيدنا علي مع ابن عمه عبدالله بن عباس حين خطاب الإمام علي كرم الله وجهه:
هل هذا علم غيب وكشف يا أبو تراب؟ فرد عليه الإمام علي لا ولكنه معرفة ماسيكون بما قد كان وماهو كائن.
حينها أسقط في يدهم حين ما استوثوا من المتن في نهج البلاغة ولم يفعلوا شئيا غير ترجمته وضمه لمنهج المعهد ووضعه عنواناً لاعظم مرجع عندهم في (الانتلجنس).

6
ومن أصحاب الإمتاع والمؤانسة وكسب المأثورات واللطائف الأستاذ أيمن عبدالله وقد أرسل لنا قصيدة إيليا أبو ماضي وهي من خرائده في الغزل والنسيب إذ يقول المهجري العجيب فيها:

سَفَرَتْ فقلت لها أهذا كوكب؟
قالت أجل .. وأين مني الكوكب؟
وتبسّمت فرأيت رئما ضاحكا
عن لؤلؤ لكنّه لا يوهب
وتمايلت فالسمهري ،مصمم
ورنت فأبصرت السّهام تصوّب
أنشبت ألحاظي بورد خدودها
لّما رأيت لحاظها بي تنشب
قد كلمت قلبي ولم ترفق به
واللّحظ لو درت المليحة مخلب
بيضاء ناصعة كأن جبينها
صبح وطرتّها عليه غيهب
يا طالما اكتسب الحرير ملاحة
منها ويكسب غيرها ما يكسب
ولطالما بعض النساء حسدنَها
ولطالما حسد السليم الأجرب
بين الطلاء وبينهنّ قرابة
مشهورة عنها الجميلة تنكب
إنّ الملاحة عندها عربية
وجمال هاتيك الدّمى مستعرب
قل للغواني إنّها خلقت كذا
الحسن لا يشرى ولا يستجلب
فإذا بلغتنّ الجمال تطريا
فاعلمن أنّ بقاءه مستعصب
هيهات ما يغني الملاح الحسن
إن كانت خلائقهنّ لا تستعذب
إني بلوت الغانيات فلم أجد
فيهن قطّ مليحة لا تكذب
وصحبتهنّ فما استفدت سوى الأسى
ما يستفاد من الغواني يتعب
وخبرتهنّ فما لبكر حرمة
ترعى وأعذر من رأيت الثّيب
لا يخدعنك ضعفهنّ فإنّما
بالضعف أهلكت الهزبر الأرنب

7
قلت مرة للأستاذة الإعلامية والكاتبة ملاذ حسين خوجلي وهي من قبيلتي قبل أن تكون ابنتي: أريد أن أكتب مرافعةً في استعادة قانون النظام العام بتأصيل وتجويد أكبر لضبط الشارع وإحكام السيطرة على التفلت والمتفلتين وإكراماً للمرأة، فطلبتُ منها الإعانة بنصوص تساعدني في أداء المرافعة وتقديمها لأولي الأمر، فأمدّتني بالحكاية التالية وبقيت في الذاكرة والأضابير.
قيل أن: فتاة بارعة الحسن قدِمت إلى مكة تريد الحج فلما ذهبت لرمي الجمرات رآها الشاعر عمرُ بن أبي ربيعة وكان مغرما بالجميلات والتغزل بهن. فكلمها فلم تجبْه.
فلما كانت الليلة الثانية تعرض لها فصاحت به:
إليك عني فإني في حرم الله، وفي أيام عظيمة الحرمة؟
فألحَّ عليها، فخافت من افتضاحِ أمرها. فتركته ورجعت إلى خيمتها.
وفي الليلة الثالثة قالت لأخيها: اخرج معي فأرني المناسك.
فلما رأى عمرُ بن أبي ربيعة أخاها معها مكث في مكانه ولم يتعرض لها ، فضحكت والتفتت نحوه ساخرة وقالت كلمتها المشهورة:
تعدو الكلابُ على من لا أسودَ له
وتتقي صولةَ المستأسدِ الضاري

فلما سمع أبو جعفر المنصور هذه القصة قال: وددت لو أنه لم يبق فتاة من قريش إلا سمعت بهذا الخبر.