
يوسف محمد الحسن يكتب: هل يُسقي برقوُ الاتحادَ من كأسِ المُرِّ؟!!
تحت السيطرة
يوسف محمد الحسن
هل يُسقي برقوُ الاتحادَ من كأسِ المُرِّ؟!!
كأن كرة القدم السودانية كانت تنتظر صفّارة لا تأتي من حكمٍ محلي، بل من قاعة محكمةٍ على بعد آلاف الأميال، صفّارة انطلقت من سويسرا، حين أعلنت محكمة التحكيم الرياضي (كاس) قبولها النظر في الشكاوى المقدّمة ضد الاتحاد السوداني لكرة القدم، ليتحوّل هذا القبول إلى لحظة مفصلية تُعيد ترتيب أوراق المشهد الرياضي، وتفتح الباب لزلزال إداري ربما يعصف بمنظومة ترعرعت على مائدة الفوضى والشللية.
هذا القبول لم يكن حدثًا قانونيًا عابرًا، بل نقطة تحوّل قد تُغيّر خارطة النفوذ في دهاليز كرة القدم السودانية، بعد أن أمضت سنواتها الأخيرة في كنف كيانٍ إنحرف عن روح اللعبة، وتحول إلى منصة لتوزيع المكافآت على الموالين، وإنزال العقوبات على المخالفين.
لقد تحوّلت اللجان التي يُفترض أن تكون مستقلة، إلى أختام تُؤمّن على رغبات القابضين على المكتب التنفيذي، وتخلّى الاتحاد عن مفهوم الإدارة الحيادية، ليُصبح لاعبًا وحكمًا وخصمًا وسيدًا في آنٍ واحد، مشهد مشوَّه ومألوف يُدار بعقلية (الكنكشة) لا بمنهج التحديث والمواكبة.
لكن في خضم هذا السقوط المؤسسي، تلوح بارقة أمل من رمزين اختارا أن يسيرا عكس التيار إتحاد الجنينة ونادي ود نوباوي، بكل ما يحملانه من رمزية الانتماء للمبادئ والثبات على الموقف، لم يرضخا لضغوط الواقع، ولم ينزلقا إلى مهاترات إعلامية، بل تمسّكا بالنهج القانوني وسلكا طريق التقاضي بصبر وإحترام، ليقدّما درسًا أخلاقيًا قبل أن يكون قانونيًا، بأن الحقوق لا تُسترد بالصوت المرتفع، بل بالوثيقة الممهورة بالعدل.
وفي مشهد ملئ بالرغبة الصادقة، إختار الدكتور حسن برقو أن يكون في قلب المعركة، لا ليرتدي عباءة البطولة، بل ليقوم بما يمليه عليه ضميره تجاه مصلحة الرياضة، برقو، الذي ظل حاضرًا في قلب المشهد الرياضي دون أن يرتبط عطاؤه بالمناصب، لم ينشغل بالتهاتر، بل قدّم نموذجًا مختلفًا لرجل عفيف اليد، نقيّ اللسان، ظلّ يسند المنتخبات، يدعم الأندية، ويقف خلف الاتحادات من غير مِنّة ولا مزايدة.
وحين اختار المواجهة، لم يبحث عن منابر تُصفق له، بل اتجه إلى ساحات القانون، مؤمنًا بأن التغيير الحقيقي لا يصنعه الهتاف، بل تصنعه الملفات الدقيقة والمرافعات المقنعة.
والأهم من ذلك، أن برقو، رغم الانتقادات التي طالته في مراحل سابقة، لم يدخل في دائرة الخصومة ولا ردود الفعل، بل جعل من سلوكه الهادئ جوابًا عمليًا، ومن لجوئه إلى (كاس) بيانًا لا يحتاج إلى شرح.
وإن كنا قد خالفناه الرأي من قبل، فإن الواجب يفرض علينا الآن أن نقف إحترامًا لهذا الثبات، ونثمّن هذا الصمود، ونشهد أن ما يفعله اليوم يتجاوز المصالح الشخصية، ليصبّ في مصلحة وطنٍ يبحث عن استقامة ضائعة.
نحن اليوم أمام لحظة اختبار حقيقية، لا للاتحاد وحده، بل للضمير الرياضي العام، فالتحول لا تصنعه البيانات، بل يصنعه من يجرؤ على كسر النمط السائد، ومن يؤمن أن العدالة ليست منحة بل حق يُنتزع.
ووسط هذا المشهد المربك، يبرز الدكتور حسن برقو، لا كبطل يبحث عن تصفيق، بل كصوتٍ مختلف اختار أن يمضي في الطريق الأصعب. طريق القانون، والصبر، والاحترام. رجل اختار أن يخوض معركة التصحيح بصمتٍ وملفٍ محكم، لا بضجيج ولا منابر.
إن ما فعله برقو ومن سلك دربه، ليس نهاية القصة، بل بدايتها. بداية ممكنة لرياضة تبحث عن معنى العدالة، وعن اتحاد يُدار بالعقل لا بالأهواء، وبالمؤسسية لا بالأمزجة الشخصية.
والكرة الآن لم تعد في ملعب الاتحاد فقط، بل في ملعب كل من يهتم بهذه اللعبة ويريد مصلحتها، فإما أن نكون على قدر اللحظة، أو نُعيد الكرة إلى الملعب ذاته، وننتظر صافرة أخرى، من قاعةٍ أخرى، على بعد آلاف الأميال.
باص قاتل:
اتحاد عام بعيد عن النظام!!.