
د. نجلاء حسين المكابرابي غسان علي عثمان .. حين يصبح التفكير مشروعًا للنهوض
مسارات
د. نجلاء حسين المكابرابي
غسان علي عثمان .. حين يصبح التفكير مشروعًا للنهوض
ليست قيمة المفكر في عدد الكتب التي يكتبها، ولا في كثرة الندوات التي يشارك فيها، وإنما في قدرته على إثارة الأسئلة الكبرى، وتحريك العقل من منطقة السكون إلى فضاء المراجعة والنقد. ومن بين الأصوات الفكرية السودانية التي انشغلت بهذا الهم المعرفي، يبرز الكاتب والباحث والإعلامي غسان علي عثمان، الذي جعل من نقد العقل، وتحليل بنية النخب، واستقراء الواقع السوداني والعربي مشروعًا متواصلًا للبحث والحوار.
ومن يتابع حضوره عبر برنامج “الوراق” يلحظ أن اهتمامه لا ينصرف إلى الأحداث اليومية بقدر ما يتجه إلى جذورها الفكرية. فهو يناقش تكوين النخب، ومسؤوليتها التاريخية، وأثرها في صناعة الوعي أو تكريس الأزمات، مؤمنًا بأن النهضة تبدأ من إصلاح أدوات التفكير قبل إصلاح مؤسسات الدولة.
ولم يكن هذا الاهتمام طارئًا، فقد تجسد في مؤلفاته التي تناولت قضايا الهوية، ونقد العقل، والعلمانية، وعنف النخبة، فضلًا عن قراءاته لمشروع المفكر العربي محمد عابد الجابري، الذي انطلق من نقد العقل العربي بوصفه مدخلًا لفهم أزمات الحاضر.
ولعل أكثر ما تحتاج إليه النخب السودانية اليوم هو أن تتجاوز دائرة الانحيازات الضيقة، وأن تتحرر من أسر ردود الأفعال، لتنتقل إلى مساحة التفكير المنتج. فالأزمة السودانية لم تكن يومًا أزمة موارد بقدر ما كانت أزمة إدارة، ولم تكن أزمة إمكانات بقدر ما كانت أزمة رؤية.
لقد اعتدنا أن ننشغل بالنتائج ونغفل الأسباب، وأن نختلف حول الأشخاص أكثر من اختلافنا حول الأفكار. وهنا تتجلى أهمية الخطاب الذي يطرحه غسان علي عثمان، لأنه يعيد توجيه البوصلة نحو سؤال العقل: كيف نفكر؟ ولماذا نفكر بهذه الطريقة؟ وهل نملك الشجاعة لمراجعة مسلماتنا قبل أن نطالب الآخرين بتغيير مواقفهم؟
إن كثيرًا من أزماتنا السياسية والاجتماعية تعكس أنماطًا من التفكير تحتاج إلى مراجعة؛ فثمة عقل يميل إلى الأحادية، فلا يرى إلا زاوية واحدة. وعقل آخر يعيش أسير ردود الأفعال، فيغيب عنه التخطيط والاستشراف. وهناك عقل يكتفي بأول تفسير، ولا يبحث عن البدائل، وعقل يطلب اليقين المطلق، بينما تبنى السياسات الرشيدة على قراءة الاحتمالات وإدارة المخاطر. ويضاف إلى ذلك ضعف الصلة بالعلوم الحديثة، والانشغال بالتفاصيل على حساب الصورة الكلية، فضلًا عن النزعات القبلية والجهوية التي تعيق بناء مشروع وطني جامع.
هذه القضايا ليست ترفًا فكريًا، هي أساس أي نهضة حقيقية. فالدول لا تتقدم بالشعارات، وإنما بعقول قادرة على النقد، ومؤسسات تستوعب الاختلاف، ونخب تؤمن بأن دورها تقديم الحلول لا تعميق الانقسامات.
ولذلك فإن برامج فكرية مثل الوراق تمثل مساحة مهمة لإحياء الحوار المعرفي، لأنها تضع الكتاب والفكرة في مواجهة الواقع، وتمنح الجمهور فرصة للتأمل بعيدًا عن ضجيج السياسة اليومية. فالمجتمعات التي تقرأ، وتناقش، وتراجع أفكارها، هي الأقدر على تصحيح مسارها.
مسارات الأمل:
قد يختلف الناس حول الأفكار، لكنهم يتفقون على أن الأمم التي تحترم العقل هي الأمم التي تكتب مستقبلها بوعي. وبين الكتاب، والمنصة، والحوار، تظل مسؤولية النخبة أن تفتح نوافذ جديدة للمعرفة، وأن تجعل من التفكير عادة يومية، لا مناسبة عابرة. فربما تبدأ نهضة السودان بسؤال صادق، يطرحه مفكر، ويجد من يملك شجاعة البحث عن إجابته.