
إسحق أحمد فضل الله يكتب: (الليلة كيف أمسيتم يا ملوك أفغانستان؟)
مع إسحق
إسحق أحمد فضل الله
(الليلة كيف أمسيتم يا ملوك أفغانستان؟)
قال المتحدث:
كنت أجلس مع عبد السلام ضعيف، أحد أبرز قادة طالبان السابقين، والحاكم الأسبق لأفغانستان، وأحد معتقلي غوانتانامو السابقين، عندما رن هاتفه. كان المتصل حامد كرزاي، الرئيس الأفغاني خلال فترة الوجود الأمريكي.
وكان عبد السلام ضعيف قد سبق أن شفع لكرزاي لدى طالبان حتى لا يُطرد من أفغانستان.
قال المتحدث:
كل الأفغان، على اختلاف انتماءاتهم، بقوا في بلادهم، لأن الأفغاني لا يترك وطنه. كما أن الشريعة الإسلامية هناك ليست محل جدل أو مساومة؛ فقد يختلف الأفغاني مع طالبان في السياسة، لكنه لا يختلف على أصل تطبيق الشريعة.
وأضاف:
في المكالمة قال كرزاي لعبد السلام ضعيف إن القائد الأمريكي يرغب في لقائه.
فرد ضعيف:
لقد طلب مني اللقاء من قبل، ورفضت.
قال كرزاي:
إنه أخبرني بذلك، وطلب مني أن أتوسط لديك، لأنه يريد الحديث معك حول المفاوضات وربما الانسحاب.
فأجابه ضعيف:
أخبرته بما أخبرك به الآن؛ أنا متقاعد ولست ضمن القيادة، كما أنني لا أتفاوض مع محتل.
ويتابع المتحدث أن القائد الأمريكي قال لعبد السلام:
أنا حاكم، ولست محتلاً.
فكان رد ضعيف:
أنت ترى نفسك حاكماً، أما أنا فأراك محتلاً.
وأضاف القائد الأمريكي:
أريد فقط أن نتحدث عن اتفاق، وربما يكون هناك خروج لقواتنا.
لكن عبد السلام ضعيف تمسك بموقفه قائلاً:
أنا لا أتعامل مع محتل.
ويروي المتحدث أن القائد الأمريكي عاد فاتصل بكرزاي قائلاً:
وصلتني تعليمات من واشنطن بضرورة لقاء عبد السلام ضعيف، لكنه يرفض، فماذا أفعل؟
فقال له كرزاي:
اذهب إلى بيته دون موعد، واطرق بابه، فالأفغاني لا يرد ضيفاً.
فسأله القائد:
وهل سيغير ذلك موقفه؟
فأجاب كرزاي:
لا. فالأفغاني إذا قال لك اليوم كلمة، سيقولها نفسها بعد ربع قرن، لكنه لن يرد ضيفاً.
ويواصل المتحدث:
ذهب القائد الأمريكي بالفعل إلى منزل عبد السلام ضعيف، وطرق الباب. فلما فتح له الباب وجلس، قال:
يا شيخ عبد السلام… أراك جالساً في منزلك.
فأجابه:
نعم، فقد اعتزلت العمل.
قال القائد:
وأنا الآن أحكم أفغانستان، فلنتحدث.
فرد عبد السلام:
قل ما شئت، لكنك تحتل أفغانستان. وجدي قاتل البريطانيين حتى خرجوا، وأبي قاتل الروس، وأنا قاتلت الأمريكيين حتى يرحلوا، وإن بقي الاحتلال فسيواصل أبنائي القتال من بعدي.
—
ننقل هذه الحكاية لأن كثيرين يحملون تصوراً عن الإسلام يختلف عما يقدمه التاريخ في مواقف الشعوب التي تتمسك بعقيدتها؛ إذ يصبح الاعتماد على المبادئ والثبات عليها جزءاً من رؤيتها للمواجهة.
ويشير المتحدث إلى أن طالبان أعلنت، خلال الفترة الماضية، سداد الديون الخارجية المستحقة على أفغانستان، قبل أن يتساءل:
وأين نحن من ذلك؟
—
ويتوقف الحديث عند الذكرى الحادية والثلاثين لمذبحة المسلمين في سربرنيتسا.
فخلال حصار سراييفو، كانت المدينة تعيش نقصاً حاداً في الغذاء والدواء والذخيرة والسلاح، بينما كان الأمل يتضاءل يوماً بعد يوم، في ظل دعم دولي واسع للقوات الصربية.
لكن الرئيس البوسني علي عزت بيغوفيتش كان يبدأ يومه بلقاء مهندس سوداني، تولى مع مجموعة صغيرة من العمال حفر نفق باستخدام الفؤوس والمجارف، يمتد من إحدى الغابات إلى داخل المدينة المحاصرة.
واستمر العمل أياماً طويلة وسط ظروف بالغة الصعوبة، حتى اكتمل النفق، ليفتح شريان حياة دخلت عبره الأسلحة والغذاء والدواء إلى المدينة، وأسهم في صمود من بقي فيها.
ويتساءل الكاتب:
من هو ذلك المهندس السوداني المجاهد؟
ثم يعلق قائلاً:
لو كان مغنياً أو ممثلاً، لعرفه الجميع.
—
ملحق
ويشير الكاتب إلى مقولة تُنسب لأحد الوزراء البريطانيين:
“ستظل بريطانيا بخير ما دامت لا تمر بكابول.”
ويختم بالقول إن دروس التاريخ ما زالت تتكرر، وإن الأحداث الجارية تظل شاهداً على أن كثيراً من القوى الكبرى دفعت ثمناً باهظاً عندما دخلت في صراعات طويلة بأفغانستان، قبل أن يربط ذلك بقراءته للمشهد السوداني الراهن.