
الكاميرا الجارحة .. العواصم من القواصم الجديد
*الكاميرا الجارحة*
*العواصم من القواصم الجديد*
ولأني أعلم متيقنًا، ويوافقني في هذا اليقين كل شعوب العالم العربي، بأن جامعة الدول العربية قد استقالت من التاريخ منذ أمد بعيد، وأصبحت مجرد حُلم في حياتنا، وأسفًا في واقعنا المُرّ المهيض، إلا أن هذا لا يُبرر إهمالها، ولا يمنعنا من أن نقترح لها حلًا ودورًا، فلا يزال لها مقرٌّ وميزانية وأفندية يؤهلونها لأن تصلح دار نشر عربية كبرى لإشاعة وتسويق وتوزيع أفكار التسامح العربي والدعوات الجادة للحوار المثمر عبر نصوص التراث وأخبار الرجال.
ولتبدأ بهذا المنشور الشهير عن حكاية الخليفة معاوية والخليفة اللاحق عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، فلعل في تداولها بين الحكام العرب ما يدعو إلى التواضع والتأمل والترفع عن صغائر المعارك، خاصة وأن الأعداء قد سدوا كل الثغور، وتسوروا كل التحصينات، وأصبحت أعراضنا وأغراضنا مرمى حجر.
تقول الحكاية التي نقترح لها أن تكون المادة الأولى في الكتاب الأول بعنوان (العواصم من القواصم الجديد):
كان لعبد الله ابن الزبير رضي الله عنه مزرعة في المدينة مجاورة لمزرعة يملكها معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما، خليفة المسلمين في دمشق، وفي ذات يوم، دخل عمال مزرعة معاوية إلى مزرعة ابن الزبير، وقد تكرر ذلك في أيام سابقة.
فغضب ابن الزبير وكتب لمعاوية في دمشق، وقد كان بينهما عداوة، قائلًا في كتابه: من عبد الله بن الزبير إلى معاوية (ابن هند آكلة الأكباد)، فإن عمالك دخلوا إلى مزرعتي، فمرهم بالخروج منها، أو فو الذي لا إله إلا هو، ليكونن لي معك شأن.
فوصلت الرسالة إلى معاوية، وكان من أحلم الناس، فقرأها ثم قال لابنه يزيد: ما رأيك فيما قاله ابن الزبير؟ لقد أرسل يهددني، فقال له ابنه يزيد: أرسل له جيشًا أوله عنده وآخره عندك يأتيك برأسه، فقال معاوية: بل عندي له أكرم من ذلك، وأشرف صلة، وزكاة، وأقرب رحمًا.
فكتب رسالة إلى عبد الله بن الزبير، يقول فيها:
من معاوية ابن أبي سفيان إلى عبد الله ابن الزبير ابن أسماء ذات النطاقين (فهو يذكرها كمجد له)، أما بعد: فوالله لو كانت الدنيا بيني وبينك لسلمتها إليك، ولو كانت مزرعتي من المدينة إلى دمشق لدفعتها إليك، فإذا وصلك كتابي هذا فخذ مزرعتي إلى مزرعتك، وعمالي إلى عمالك، فإن جنة الله عرضها السموات والأرض.
فلما قرأ ابن الزبير الرسالة بكى حتى بلَّ لحيته بالدموع، وسافر إلى معاوية في دمشق، وقبَّل رأسه، وقال له: لا أعدمك الله حلمًا، أحلَّك في قريش هذا المحل.
*حسين خوجلي*