
حسن بشير يكتب: لماذا يهاجر الشباب رغم حبهم للوطن؟
ضربة جزاء
حسن بشير
لماذا يهاجر الشباب رغم حبهم للوطن؟
هناك سؤال مؤلم يفرض نفسه على السودان اليوم: لماذا يهاجر الشباب رغم أنهم يحبون وطنهم؟ هل الذي يغادر وطنه يكرهه؟ أم أن الوطن الذي يسكن في القلب قد لا يكون قادرًا دائمًا على توفير الوطن الذي يحلم به الشاب؟
الشاب السوداني الذي يحمل حقيبته ويغادر، لا يغادر بالضرورة لأنه فقد انتماءه. كثير منهم يغادرون ودموعهم في عيونهم، يودعون الأهل والأصدقاء والأحياء التي تربوا فيها، ويحملون معهم رائحة الوطن وذكريات الطفولة وأمنيات العودة. لكن الحب وحده لا يوفر وظيفة، ولا يبني مستقبلًا، ولا يطعم أسرة، ولا يمنح شابًا فرصة لإثبات قدراته.
وهنا تكمن المأساة.
لقد أصبح كثير من الشباب ينظرون إلى الهجرة باعتبارها محاولة للنجاة من واقع اقتصادي واجتماعي قاسٍ. شاب أنهى الجامعة، ثم وجد نفسه سنوات يبحث عن فرصة عمل. وآخر يمتلك مهارة وحرفة لكنه لا يجد رأس المال الذي يبدأ به مشروعه. وثالث لديه طموح كبير، لكنه يصطدم بواقع لا يمنحه مساحة كافية ليصنع مستقبله.
وعندما تتراكم البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وضعف فرص العمل، يبدأ السؤال داخل الشاب: ماذا سأفعل هنا؟
عندها تصبح الهجرة خيارًا، حتى لو كان القلب مع الوطن.
المؤلم أن السودان لا يفقد هؤلاء الشباب وحدهم، بل يفقد معهم سنوات طويلة من التعليم والتدريب والخبرة. الطبيب الذي يغادر، والمهندس، والمعلم، والمبرمج، والفني، والحرفي، ورجل الأعمال الصغير، كل واحد منهم يمثل استثمارًا وطنيًا كان يمكن أن يسهم في بناء البلاد.
والسؤال الأهم: من المسؤول عن إعادة الثقة إلى هؤلاء الشباب؟
الحكومة مسؤولة عن توفير البيئة التي تجعل العمل ممكنًا، والاستثمار جاذبًا، والمشروعات قابلة للنمو، والوظيفة قائمة على الكفاءة. والمجتمع مسؤول عن تشجيع المبادرات وعدم قتل الأفكار بالسخرية أو المحسوبية. والقطاع الخاص مطالب بفتح أبواب حقيقية أمام الشباب، لا أن ينظر إليهم باعتبارهم عمالة رخيصة.
لكن الشباب أنفسهم أيضًا أمام مسؤولية. فالهجرة ليست دائمًا الحل، والشهادة وحدها لم تعد كافية. العالم تغير، وسوق العمل يحتاج إلى مهارات، وإتقان التكنولوجيا، واللغات، والمهن الحديثة، والقدرة على إنشاء المشروعات الصغيرة. ومن المهم أن يتحول الشباب من انتظار الوظيفة إلى صناعة الفرصة متى ما توفرت البيئة المناسبة.
بعد الحرب، ستكون القضية أكبر من إعادة بناء الطرق والمباني. علينا أن نعيد بناء الثقة بين الشباب والوطن. نريد وطنًا يشعر فيه الشاب أن مستقبله يمكن أن يبدأ من قريته ومدينته، وأن النجاح ليس مشروطًا بحمل جواز السفر ومغادرة البلاد.
لا نريد أن نقول للشاب: ابقَ لأنك تحب الوطن، بينما لا نقدم له سببًا عمليًا للبقاء. الحب قيمة عظيمة، لكنه يحتاج إلى عدالة وفرصة وأمان وعمل وكرامة.
السودان لا يحتاج إلى شباب يصفقون للوطن من بعيد، بل يحتاج إلى شباب يعملون ويبنون ويبتكرون ويزرعون ويصنعون. وإذا اضطر الشباب إلى الهجرة، فليكن ذلك اختيارًا لا هروبًا، وليكن الوطن قادرًا على استقبالهم عندما يريدون العودة.
الوطن ليس قطعة أرض فقط، والوطن ليس شعارًا نردده في المناسبات. الوطن هو المكان الذي تشعر فيه أن تعبك له قيمة، وعلمك له مستقبل، وموهبتك لها فرصة، وحقوقك مصانة، وكرامتك محفوظة.
فإذا أردنا أن نوقف نزيف الهجرة، فلا تطلبوا من الشباب أن يثبتوا حبهم للسودان بالبقاء فقط؛ ابنوا لهم سودانًا يجعل البقاء فيه ممكنًا.
فالشاب الذي يغادر وطنه قد يحمل جواز سفره في يده، لكنه يحمل السودان كله في قلبه. والمطلوب اليوم ليس أن نلومه على الرحيل، بل أن نسأل أنفسنا: ماذا فعلنا حتى لا يضطر إلى الرحيل؟. تلك هي ضربة الجزاء الحقيقية.
