حسين خوجلي يكتب: حواشي ومتون
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
حواشي ومتون
1
قال أحد الرجال رأيت في بعض المجاميع بخط بعض العلماء الأكابر أن المأمون أشرف يوماً من قصره فرأى رجلاً قائماً وبيده فحمة، وهو يكتب بها على حائط قصره، فقال المأمون لبعض خدمه: اذهب إلى ذلك الرجل، فانظر ما كتب وائتني به.
فبادر الخادم إلى الرجل مسرعاً وقبض عليه، وقال: ما كتبت؟ فإذا هو قد كتب هذين البيتين:
يا قصر جمع فيك الشوم واللوم
متى يعشش في أركانك البوم
يوم يعشش فيك البوم من فرحي
أكون أول من ينعاك مرغوم
ثم إن الخادم قال له: أجب أمير المؤمنين.
فقال الرجل: سألتك بالله لا تذهب بي إليه.
فقال الخادم: لا بد من ذلك.
ثم ذهب به فلما مثل بين يدي أمير المؤمنين وأعلم بما كتب قال له المأمون: ويلك، ما حملك على هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين! إنه لا يخفى عليك ما حواه قصرك هذا من خزائن الأموال والحلي والحلل والطعام والشراب والفرش والأواني والأمتعة والجواري والخدم وغير ذلك مما يقصر عنه وصفي ويعجز عنه فهمي. وإني يا أمير المؤمنين قد مررت عليه الآن، وأنا في غاية من الجوع والفاقة، فوقفت مفكراً في أمري وقلت في نفسي: هذا القصر عامر عال، وأنا جائع ولا فائدة لنا فيه، فلو كان خراباً ومررت به لم أعدم رخامة أو خشبة أو مسماراً أبيعه وأتقوت بثمنه أوما علم أمير المؤمنين رعاه الله قول الشاعر:
إذا لم يكن للمرء في دولة امرئٍ
نصيب ولا حظ تمنى زوالها
وما ذاك من بغض له، غير أنه
يزجي سواها، فهو يهوى انتقالها
فقال المأمون: يا غلام، أعطه ألف درهم، ثم قال: هي لك في كل سنة ما دام قصرنا عامراً بأهله مسروراً في دولته.
وأنشدوا في معنى ذلك:
إذا كنت في أمر، فكن فيه محسناً
فعما قليل أنت ماض وتاركه
فكم دحت الأيام أرباب دولةٍ
وقد ملكوا أَضعاف ما أنت مالكه
حاشية:
ومنذ أن أطلت هذه الحكاية في كتب التراث أمر الملوك والأمراء والرؤساء العرب، بأن لا تُصنع حيطان القصور من الطِلاء الأبيض وألا تنثر من حواليها قطع الفحم ولا الأحبار السود فصارت منذ ذلك اليوم إلى يوم الناس هذا تُبني من الحجارة المدببة التي لا تسمح بالكتابة. ولو كنت مكان المأمون لعينت هذا المسكين المثقف وزيراً للثقافة والإعلام.
2
قيل في العقل والأدب:
اعلم أن العقل أمير، وأن الأدب وزير، فإن لم يكن وزير ضعف الأمير وإن لم يكن أمير بطل الوزير
وإنما مثل العقل والأدب، كمثل الصيقل والسيف فإن الصَّيْقَل إذا أعطى السيف أخذه فصقله فعاد جمالًا ومالًا وعضدًا ليعتمد عليه، ويلتجَأ إليه.
فالصيَّقل الأدب والسيف العقل.
فإذا وجد الأدب عقلًا نفعه ووفقه وقواه وسدده كما يصنع الصيقل بالسيف وإذا لم تجد عقلًا لم تعمل شيئًا لأنه لا يصلح إلا ما وجد وإن من السيوف ما يصقل ويسقا ويحد ثم يباع بأدنى الثمن ومنها ما يباع بزينة درًا وزبرجدًا وذلك على نحو الحديد وجودته أو ردائته وكذلك، الرجلان يتأدبان بأدب واحد ثم يكون أحدهما أنفد من الآخر أضعافًا مضاعفة وإنما ذلك على قدر العقل وقوته في الأصل.
وفى ذلك أقول شعرًا:
وقد يصلح التأدب من كان عاقلًا
وإن لم يكن عقلٌ فلن ينفعَ الأدبُ
حاشية:
الصيقل تعني المجلوّ، اللامع، الناعم، أو المصقول الذي تم تنعيمه وتلميعه مثل السيوف أو المرآة.
وعلى كل زعيم وقائد وأمير يقرأ مثل هذه الحكاية أن يجعل له مجلساً إسبوعياً يجمع فيه أصحاب العقل والأدب فإن في ما ينثرون من حكم يُعين على جلاء القلوب وإحكام الأوامر والتشريعات، وهم لا يريدون منه إلا سعة في المجلس ووجه رحيب.
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.
3
ووقف رجل على الواثق فقال: يا أمير المؤمنين، صل رحمك وارحم أقاربك وارحم رجلاً من أهلك.
فقال الواثق: من أنت، فإني لا أعرفك قبل اليوم؟
قال: ابن جدك آدم.
فقال: يا غلام، أعطه درهماً؟ فقال: يا أمير المؤمنين، وما أصنع بالدرهم؟ قال: أرأيت لو قسمت المال بين إخوتك أولاد جدي أكان ينوبك منه حبة.
فقال: لله درك ما أذكى فهمك.
فأمر له بعطاء وانصرف مكرماً.
حاشية:
العلماء لا يُخدَعون، والعلماء الظرفاء لا يقبِضون عن السائلين حاجة. لله در الواثق! فقد كانت واثقاً من مبانيه ومعانيه.
4
كان الخليفة العباسي هارون الرشيد في زمانه ملكاً على ملوك الأرض. ومن مأثوراته الشهيرات أنه كان يقول للغيمة: (امطري حيث شئتِ، فسوف يأتيني خراجك) ولهذا كان عنده يقين بأن هذه الغيمة أينما أمطرت فسوف يكون مردودها له ولدولته.
حاشية:
كان الرشيد يُجيد حساب اقتصاده من مر السحاب وحرث الأرض، فكانت تتنزل عليه النعماء ليس بالسحاب والنبت وحدهما، بل إنما لكونه كان قدس الله سره يغزو عاماً ويحج عاماً.
5
حُكِي أن الحجاج أمر صاحب حراسته أن يطوف بالليل فمن وجده بعد العشاء ضرب عنقه. فطاف ليلة فوجد ثلاثة صبيان يتمايلون وعليهم أثر الشراب، فأحاط بهم وقال لهم: من أنتم حتى خالفتم الأمير؟ فقال الأول:
أنا ابن من دانت الرقاب له
ما بين مخزومها وهاشمها
تأتي إليه الرقاب صاغرة
يأخذ من مالها ومن دمها
فأمسك عن قتله، وقال: لعله من أقارب أمير المؤمنين.
وقال الثاني:
أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره
وإن نزلت يوماً فسوف تعود
ترى الناس أفواجاً إلى ضوء ناره
فمنهم قيامٌ حولها وقعود
فأمسك عن قتله وقال: لعله من أشراف العرب.
وقال الثالث:
أنا ابن الذي خاض الصفوف بعزمه
وقومها بالسيف حتى استقامت
ركاباه لا تنفك رجلاه منهما
إذا الخيل في يوم الكريهة ولت
فأمسك عن قتله وقال: لعله من شجعان العرب. فلما أصبح رفع أمرهم إلى الحجاج فأحضرهم وكشف عن حالهم، فإذا الأول ابن حجام، والثاني ابن فوال، والثالث ابن حائك. فتعجب الحجاج من فصاحتهم وقال لجلسائه: علموا أولادكم الأدب، فوالله لولا الفصاحة لضربت أعناقهم، ثم أطلقهم وأنشد:
كن ابن من شئت واكتسب أدباً
يغنيك محموده عن النسب
إن الفتى من يقول: ها أنا ذا
ليس الفتى من يقول: كان أبي
حاشية:
يا سكارى السودان لو قام الرئيس بتعيين حجاج جديد لولاية الخرطوم وأطلق حجاج العاصمة المثلثة حالة الطوارئ فتَعَلموا الأدب والشعر وإلا فإنكم سوف ( تروحون في 60 داهية).
6
عن أحمد بن محمد بن أيوب قال: اجتمع الناس إلى سفيان بن عيينة فقال: من أحوج الناس إلى هذا العلم؟ فسكتوا، ثم قالوا: تكلم يا أبا محمد! قال: أحوج الناس إلى العلم العلماء، وذلك أن الجهل بهم أقبح؛ لأنهم غاية الناس وهم يُسألون.
حاشية:
كل العامة والخاصة وأنا منهم كنا نظن قبل مقولة سفيان بن عيينه رحمه الله أن العلم حقٌ على الجهلاء، والآن فقط علمت أن العلم حقٌ للعلماء.
7
يقول صالح عبدالقدوس:
صَرَمَت حِبَالَكَ بعد وَصْلِك زينبُ
والدَّهْرُ فِيهِ تَصَرُّمٌ وَتَقَلُّبُ
نَشَرتْ ذَوَائِبَهَا التي تَزْهُو بها
سُوداً وَرَأْسُكَ كالنَّعَامَةِ أَشْيَبُ
واسْتَنْفَرَتْ لمَّا رأتْكَ وَطَالَمَا
كَانَتْ تَحِنُّ إِلى لِقَاكَ وَتَرْهَبُ
وَكَذَاكَ وَصْلُ الغَانِيَاتِ فإنَّهُ
آلٌ ببلقعةٍ وبرقٌ خلَّبُ
فَدَعِ الصِّبا فَلَقَدْ عَدَاكَ زَمَانُهُ
وَازْهَدْ فَعُمْركَ مِنْهُ ولَّى الأطْيَبُ
ذَهَبَ الشَّبَابُ فَمَا لَهُ مِنْ عَوْدَةٍ
وَأَتَى المَشِيبُ فَأَيْنَ مِنْهُ المَهْرَبُ؟
ضَيْفٌ ألَمَّ إلَيْكَ لَمْ تَحْفِلْ بِهِ
فَتَرَى لَهُ أَسَفاً وَدَمْعاً يُسْكَبُ
دَعْ عَنْكَ مَا قَدْ فَاتَ فِي زَمَنِ الصِّبا
واذكُرْ ذُنُوبَك وَابْكِهَا يَا مُذْنِبُ
واخْشَ مُنَاقَشَةَ الحِسَابِ فَإنَّهُ
لابُدَّ يُحْصَى مَا جَنَيْتَ وَيُكْتَبُ
لَمْ يَنْسَهُ المَلَكَانِ حِينَ نَسِيتَهُ
بَلْ أثْبَتَاهُ وَأَنْتَ لاهٍ تَلعَبُ
والرُّوحُ فِيكَ وَدِيعَةٌ أُودِعْتَهَا
سَتَرُدُّهَا بِالرَّغْمِ مِنْكَ وَتُسْلَبُ
وَغُرُورُ دُنْيَاكَ التِي تَسْعَى لَهَا
دَارٌ حَقِيقَتُهَا مَتَاعٌ يَذْهَبُ
وَالليلُ فَاعْلَمْ وَالنَّهَارُ كِلاهُمَا
أنْفَاسُنَا فِيهَا تُعَدُّ وتُحْسَبُ
وَجَمِيعُ مَا حَصَّلْتَهُ وَجَمَعْتَهُ
حَقاً يَقِيناً بَعْدَ مَوْتِكَ يُنْهَبُ
تَبَّاً لِدَارٍ لا يَدُومُ نَعِيمُهَا
وَمَشِيدُهَا عَمَّا قَلِيلٍ يُخْرَبُ
فَاسْمَعْ هُدِيتَ نَصَائِحاً أوْلاَكَها
بَرٌّ لبيبٌ عَاقِلٌ مُتَأدِّبُ
صَحِبَ الزَّمَانَ وَأهْلَهُ مُسْتَبْصِراً
وَرَأَى الأُمورَ بمَا تَؤُوبُ وَتَعْقُبُ
هَدْى النَّصِيحَةَ فَاتَّعِظْ بمَقَالِهِ
فَهُوَ التقِيُّ اللَّوْذَعِيُّ الأدْرَبُ
لا تَأْمَنِ الدَّهْرَ الصُّرُوفَ فإنَّهُ
لا زَالَ قِدْماً للرِّجَالِ يُهَذِّبُ
وَكَذَلِكَ الأيَّامُ فِي غَدَوَاتِهَا
مَرَّتْ يُذَلُّ لَهَا الأعَزُّ الأنْجَبُ
فَعَلَيْكَ تَقْوَى اللهِ فَالْزَمْهَا تَفُزْ
إنَّ التَّقِيَّ هُوَ البَهِيُّ الأهْيَبُ
وَاعْمَلْ لِطَاعَتِهِ تَنَلْ مِنْهُ الرِّضَا
إنَّ المُطِيعَ لِرَبِّه لمُقرَّبُ
وَاقْنَعْ فَفي بَعْضِ القَنَاعَةِ رَاحَةٌ
وَاليَأْسُ مِمَّا فَاتَ فَهُوَ المَطْلَبُ
وَإذَا طُعِمتَ كُسِيتَ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ
فَلَقَدْ كُسِي ثَوْبَ المَذلَّةِ أشْعَبُ
وَالْقَ عَدُوَّكَ بالتَّحِيَّةِ لا تَكُنْ
مِنْهُ زَمَانَكَ خَائِفاً تَتَرَقَّبُ
إنَّ الحَقُودَ وَإنْ تَقَادَمَ عَهْدُهُ
فَالْحِقْدُ بَاقٍ فِي الصُّدُورِ مُغَيَّبُ
وَإذَا الصَّدِيقُ رَأَيْتَهُ مُتَمَلِّقاً
فَهُوَ العَدُوُّ وَحَقُّهُ يُتَجَنَّبُ
لا خَيْرَ فِي وُدِّ امرِئٍ مُتَمَلِّقٍ
حُلْوِ اللسَانِ وَقَلْبُهُ يَتَلَهَّبُ
يَلْقَاكَ يَحْلِفُ أنَّهُ بكَ وَاثِقٌ
وإذَا تَوَارَى عَنْكَ فَهْوَ العَقْرَبُ
يُعْطِيكَ مِنْ طَرَفِ اللِّسَانِ حَلاوَةً
وَيَرُوغُ عَنْكَ كَمَا يَرُوغُ الثَّعْلَبُ
وَاخْتَرْ قَرِينَكَ وَاصْطَفِيهِ تَفَاخُراً
إنَّ القَرِينَ إلى المُقَارَنِ يُنْسَبُ
إنَّ الغَنِيَّ مِنَ الرِّجَالِ مُكَرَّمٌ
وَتَرَاهُ يُرْجَى مَا لَدَيْهِ وَيُرْهَبُ
ويُبَشُّ بالتَّرْحِيبِ عِنْدَ قُدُومِهِ
وَيُقَامُ عِنْدَ سَلامِهِ وَيُقَرَّبُ
وَالفَقْرُ شَيْنٌ للرِّجَالِ فَإنَّهُ
يُزْرَى بِهِ الشَّهْمُ الأرِيبُ الأنْسَبُ
وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ للأقَارِبِ كُلِّهِمْ
بتَذَلُّلٍ وَاسْمَحْ لَهُمْ إنْ أذْنَبُوا
وَدَعِ الكَذُوبَ فَلا يَكُنْ لَكَ صَاحِباً
إنَّ الكَذُوبَ لبئْسَ خِلاً يُصْحَبُ
وَذَرِ الحَسُودَ وَلَوْ صَفَا لَكَ مَرَّةً
أبْعِدْهُ عَنْ رُؤْيَاكَ لا يُسْتَجْلَبُ
وَزِنِ الكَلامَ إذا نَطَقْتَ وَلا تَكُنْ
ثَرْثَارَةً فِي كُلِّ نَادٍ تَخْطُبُ
وَاحْفَظْ لِسَانَكَ وَاحْتَرِزْ مِنْ لَفْظِهِ
فَالْمَرْءُ يَسْلَمُ باللِّسَانِ وَيَعْطَبُ
والسِّرَ فَاكْتُمْهُ وَلا تَنْطِقْ بِهِ
فَهُوَ الأسِيرُ لَدَيْكَ إذْ لا يُنْشَبُ
وَاحْرَصْ عَلَى حِفْظِ القُلُوبِ مِنَ الأذَى
فَرُجُوعُهَا بَعْدَ التَّنَافُرِ يَصْعُبُ
إنَّ القُلُوبَ إذا تَنَافَرَ وُدُّهَا
شِبْهُ الزُّجَاجَةِ كَسْرُهَا لا يُشْعَبُ
حاشية:
كان مولانا دفع الله الحاج يوسف القانوني والشاعر والوزير له مجلس يفيض بالعلماء والأدباء والساسة كل يوم جمعة، تُزينه مائدة إفطار باذخة وبشاشة عُهدت عن الرجل وأسرته، وكان فيها حديث عميق في أمر السياسة والمجتمع والأدب واللطائف. وأذكر أنه في إحدى الجلسات جاء ذكر الشاعر المهيب صالح بن عبد القدوس، فالتفت مولانا دفع الله للقاضي العالم والوطني الكبير عثمان خالد مضوي قائلاً هل تحفظ شيئاً لابن عبدالقدوس؟ فأذهل الجميع حين قرأ المطولة التي اخترنا منها هذه الأبيات. ولم أشاهد في حياتي شخصاً يُجيد الحفظ والاستدراك لروائع الشعر العربي والإنجليزي والحقيبة ومأثور الأقوال والحِكَم مثل الراحل عثمان خالد مضوي عليه الرحمة. وإني لأجد نفسي والقراء في غاية الأسف إن لم يكتُب عثمان خالد مذكراته في أدب الدين والدنيا.
