
جمال محمد أحمد .. الدبلوماسي الذي لم يغادر الذاكرة
40 عاماً وإرثه باقٍ
جمال محمد أحمد .. الدبلوماسي الذي لم يغادر الذاكرة
بقلم: صلاح الدين عبد الحفيظ
لا أدري من أين يستمد العظماء صيرورة بقائهم على سدة الذكر الحسن، مع بقاء تراثهم إرثاً لا يبيد، وبالطبع يظل أحدهم الأستاذ جمال محمد أحمد، صاحب الإنتاج الكتابي الأكثر نفعاً للمكتبة السودانية.
بقرية سرة شرق بشمال السودان، وفي العام 1915، خرج للدنيا طفل كبقية مواليد أهل السودان، وظل حتى الآن محل احتفاء بشخصه ولمُنتوجه الثر.
داخل المدارس النظامية، على قلتها آنذاك، التحق الفتى بها، حتى كانت الانطلاقة بكلية غردون التذكارية في العام 1933، وحينها تفتحت آفاقه على المعرفة كمشارك فاعل في الصحف الجدارية التي كانت تحت رعاية إدارة الكلية.
تقول الوثائق الموجودة عن شخصه إنه، ومنذ العام الأول له بالكلية بقسم المعلمين، شارك بالكتابة في تلك الصحف الجدارية بموضوعات عن الأدب العربي، وهي أولى كتاباته التي استمرت بعد ذلك حتى وفاته.
داخل قسم المعلمين بالكلية القديمة، أبرز قدرات فذة ودرجات عالية أهلته مباشرة، حين التخرج في العام 1937، للعمل بالمدارس الوسطى كمعلم لمادتي اللغة الإنجليزية والتاريخ، وذلك بمدرستي أم درمان الوسطى ومدرسة أم درمان الأهلية.
زامل في تلك الفترة المعلمين من زملائه الشاعر أحمد عبد الله سامي، وبشير محمد سعيد الصحافي الرقم، وبروفيسور عبد الله الطيب، وأحمد دياب.
تزامن ذلك مع تأسيس مؤتمر الخريجين في فبراير من العام 1938، ليصبح الأستاذ جمال أحد واضعي لبناته الأولى كمقرر لأول اجتماعاته، وحين انتخاب أول لجنة للمؤتمر أصبح سكرتيراً للجنة التنفيذية.
عامان فقط قضاهما الأستاذ مزاوجاً ما بين التدريس بمدارس أم درمان والعمل الطوعي الوطني بمؤتمر الخريجين، حتى تاريخ يوليو من العام 1938، حين تم افتتاح كلية المعلمين الوسطى بمعهد التربية بخت الرضا، ليتم اختيار سبعة من المعلمين للعمل بها، كان أحدهم الأستاذ جمال، برفقة زملائه وأبناء دفعته النجوم الزواهر: سر الختم الخليفة، وبروفيسور عبد الله الطيب، وود أحمد الطيب أحمد، وبشير محمد سعيد.
تسعة أعوام قضاها بمعهد التربية بخت الرضا معلماً للمعلمين ومعلماً للحصص، حتى أتى العام 1947 ليتم ابتعاثه للمرة الأولى لإنجلترا لنيل درجات عليا في التربية وطرائق التدريس، ليعود للعمل بخت الرضا أستاذاً لمادة طرائق التدريس والتربية المتقدمة، وهي تدريب المعلمين، وهو، للعلم، من ضمن أول خمسة معلمين نالوا هذا الشرف في جزئية تدريب المعلمين.
حين تأسيس مكتب النشر في العام 1947، وقبل رحلة تحصيله الأكاديمي الأولى لإنجلترا، ساهم بفعالية في الكتابة للأطفال، وتقول الوثائق إن أول ورشة عمل للكتابة للأطفال في السودان كانت بمعهد التربية بخت الرضا في عام تأسيس مكتب النشر، وشارك فيها الأستاذ جمال بفعالية، مما جعله أحد أعمدة الكتابة للأطفال في زمن كانت الدول الأخرى بعيدة عن هذا المضمار.
في رحلة تحصيله الأكاديمية الثانية لإنجلترا، تبرز اهتماماته بالتاريخ والترجمة جنباً إلى جنب مع غرض ابتعاثه الرئيسي، فعاد في العام 1952 محملاً بقدرات فذة في علم الإدارة الأكاديمية والترجمة والتاريخ، ليتم اختياره على الفور نائباً لعميد كلية الخرطوم الجامعية، بعد انتقالها من كلية غردون التذكارية إلى كلية الخرطوم الجامعية.
حين سودنة الوظائف في عهد الاستقلال، أصبح أول عميد للكلية، ولمدة عامين منذ العام 1954 وحتى يوليو 1956، ظل عميداً للكلية بمجهود ينم عن طاقة جبارة كإداري لشؤون الطلاب وأستاذ بكلية الآداب.
بتاريخ 27 أبريل 1956، وقع الاختيار عليه لوضع امتحان القدرات المعرفية والأكاديمية لأول مجموعة تلتحق بوزارة الخارجية كدبلوماسيين.
بتاريخ 11 يونيو 1956، وقع اختيار وزير الخارجية الأستاذ مبارك زروق على ثلاثة من غير المتقدمين لوظائف الخارجية السودانية كدبلوماسيين للعمل كسفراء دون المرور على معاينات الدبلوماسية، وهم عوض ساتي، وعمر عديل، وجمال محمد أحمد.
داخل عمله الدبلوماسي، والذي استمر اثنين وعشرين عاماً، تبرز قدراته الفذة في كتابة التقارير الدبلوماسية باللغتين العربية والإنجليزية، زائداً ثقة الدولة فيه كشخص موثوق به كمبعوث دبلوماسي.
تقول سيرة التاريخ المحفوظة إن فترة بقائه كسفير للسودان بالبلدان العربية، وهو مسمى البعثة الدبلوماسية السودانية بدول العراق ولبنان وسوريا والأردن، ومعها تركيا، كانت فترة عمل ضاجة لشخصه لتمتين علاقات البلاد مع تلك الدول، وخير دليل على ذلك الاتفاقيات الثنائية التي كانت بمجهوده مع تلك الدول، وتذكر الوثائق أن أول شحنات القطن لدول لبنان وتركيا كانت عبر مجهوده الدبلوماسي.
بإثيوبيا، كثاني محطة دبلوماسية، كانت أياديه المبدعة حضوراً باذخاً في تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية في مايو 1963، وهو، للعلم، أحد الذين وضعوا ميثاقها وبيانها التأسيسي.
اهتم جمال بالآداب والفنون، ومن ذلك رعايته لأشهر بعثة فنية في تاريخ السودان لبناء مقبرة الفنان محمد أحمد سرور في سبتمبر 1963.
بإنجلترا، كسفير للسودان في الفترة منذ 1965 وحتى 1967، عمل لزيادة عدد المبعوثين من الطلاب وطلاب الدراسات العليا، ويقول السفير الراحل، أحد أذرع العمل الدبلوماسي آنذاك، إن ساعات القراءة لشخصه كانت مثل ساعات عمله الدبلوماسي، مما يؤكد أنه ظل طالباً للمعرفة حتى في زحمة عمله الدبلوماسي.
بنيويورك، كمبعوث للسودان بالأمم المتحدة، كانت مواقفه الداعمة لاستقلال الدول التي ترزح تحت نير المستعمر صوتاً مسموعاً داخل أروقة الأمم المتحدة.
من مصادفات حياته أنه بقي في إنجلترا كمبعوث أكاديمي لمرتين، وسفيراً للبلاد بها كذلك لمرتين، مما يعني أنه، ومنذ نهاية الأربعينيات وحتى العام 1974، ظل في تنقل ما بين السودان وإنجلترا كطالب للعلم وسفير للبلاد بها.
عانى جمال محمد أحمد من تدخلات السياسيين في رحلته الدبلوماسية، مرة مع أحد وزراء الخارجية، والثانية مع رأس الدولة، ومع ذلك، لنفسه الكبيرة، لم يتطرق لهذه التظلمات في مؤانساته أو حتى كتاباته.
على صعيد الكتابة الإبداعية، اهتم جمال بالثقافة الأفريقية، فكتب «مطالعات في الشؤون الأفريقية»، وهو الكتاب الذي تتبع تاريخ الأفارقة وثقافتهم ومعاناتهم المستمرة من الوجود الاستعماري.
في كتابه «المسرحية الأفريقية»، تبرز معرفته الجيدة بالتراث الأفريقي ولغات الأفارقة المحلية.
من أهم الكتب التي كتبها يأتي كتاب «سالي فوحمر»، وهو حصيلة مؤانساته مع السفراء الأفارقة إبان عمله كسفير بإثيوبيا وإنجلترا.
داخل اهتمامه بالمصادر الكتابية عن أفريقيا، تبرز ترجمته لكتاب «أفريقيا تحت أضواء جديدة» للمستشرق البريطاني باتريك رزينبرج.
كوكيل لوزارة الخارجية ووزير لها، عانى أشد المعاناة من تقلبات السياسة وتدخلات رأس الدولة، ورغم ذلك، يقول معاصروه إنه كان من أنجح وزراء الخارجية وأكثرهم مرونة مع التقلبات السياسية، وما أكثرها.
نجح جمال حين إدارته لمجلس إدارة تحرير صحيفة الصحافة في ضم أبرز الكوادر الصحافية وابتعاث عدد منهم للاستزادة من المهارات الصحافية.
داخل الفترة منذ العام 1980 وحتى وفاته في 4 أكتوبر من العام 1986، ظل في كتابات عميقة في الشؤون العالمية والأفريقية، وتظل مقالاته الثرّة بعنوان «أقاليم النيل الكبرى» شاهدة على عمق تفكيره وعلو كعبه المعرفي والثقافي.
كذلك لديه مجموعة مقالات نشرت بمجلة الدوحة القطرية بعنوان «يعاقبة في الجنوب»، وهي من وحي قراءاته في الهم الأفريقي والعربي.
من عجائب حياته الضاجة والمزدحمة بالعمل في التدريس والدبلوماسية والصحافة والكتابة كمتفرغ لها، تبرز عدم راحته أو هدأته دون إجازة يرتاح فيها من عنت الكتابة والعمل، وهي السنوات الممتدة منذ تخرجه من قسم المعلمين بكلية غردون التذكارية في العام 1937 حتى وفاته في أكتوبر 1986.
وهو ما يفسر احتفاظه بذاكرته متقدة وقابليته للعمل، ومن ذلك رئاسته لاتحاد الكتاب السودانيين حين تأسيسه في فبراير 1986.
حين يأتي ذكر جمال محمد أحمد، نتذكر شخصاً غير قابل للنسيان.
