
مناوي من نيويورك إلى الخرطوم.. صوتٌ لا يهادن في وجه الخارج
مناوي من نيويورك إلى الخرطوم.. صوتٌ لا يهادن في وجه الخارج
الخرطوم: مجدي العجب
لم تكن عودة مني أركو مناوي، حاكم إقليم دارفور، من الولايات المتحدة مجرد عودة مسؤول إلى بلاده بعد مهمة خارجية؛ فقد بدا المشهد في مطار الخرطوم أشبه باستقبال رجل عاد من معركة سياسية طويلة، حاملاً معه صدى المنابر الدولية، وعبارات قالها في وجه العالم دون كثير من الدبلوماسية الناعمة. فقد احتشدت أعداد ضخمة من المواطنين وأنصار حركة جيش تحرير السودان لاستقباله، في مشهد أراد من خلاله مستقبلوه أن يقولوا إن الرجل الذي خرج إلى نيويورك ليخاطب العالم باسم السودان، عاد إلى أهله محمولاً على أكتاف التأييد والحضور الشعبي.
غضبة مناوي
وكانت الحشود، في صورتها وامتدادها، جزءاً من رسالة الاستقبال نفسها؛ فمناوي لم يعد إلى فراغ، وإنما إلى جمهور أراد أن يعلن حضوره حول الدولة ومؤسساتها وقيادتها. وبينما كانت كاميرات العالم ترصد خطاباته في الولايات المتحدة، كانت الحشود في مطار الخرطوم ترسم، بطريقتها، صورة أخرى للسياسة السودانية: رجل يغادر إلى الخارج ليقاتل بالكلمة، ثم يعود ليجد من يستقبله بالهتاف والرايات والاصطفاف.
وفي حديثه أمام مستقبليه، لم يخفِ مناوي غضبه من بعض الدول التي قال إنها لعبت «أدواراً قذرة» ضد السودان، متهماً إياها بالعمل حتى لا يحضر رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان ويخاطب العالم من داخل اجتماعات الأمم المتحدة. وقال إنهم «يهابون زئير الأسود»، في إشارة إلى البرهان، في عبارة أراد بها أن يحوّل ما جرى إلى معركة حول سيادة السودان وحق قيادته في مخاطبة المجتمع الدولي.
وقد شارك مناوي ضمن الوفد السوداني في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث اتخذ الوفد السوداني من المنبر الدولي مساحة للدفاع عن موقف الدولة السودانية وطرح رؤيتها للحرب وتداعياتها. كما تحدث مناوي في نيويورك عن الانتهاكات التي اتهم مليشيا الدعم السريع بارتكابها في دارفور، داعياً إلى التعامل مع الحرب باعتبارها قضية دولة وشعب، لا مجرد نزاع بين طرفين.
الشعب السوداني يختار قائده
وفي مطار الخرطوم، بدا الرجل أكثر حدة وأقل ميلاً إلى لغة الصالات الدبلوماسية. قال إن الشعب السوداني «اصطف وتجمع حول الدولة السودانية ووقف خلف قيادتها بصلابة»، مشيراً إلى أن السودانيين في الولايات المتحدة خرجوا للتعبير عن موقفهم، ومؤكداً أن ما جرى في نيويورك لم يكن غياباً للسودان عن المشهد الدولي.
وأشاد مناوي بالسفير الحارث إدريس، قائلاً: «كفانا الفارس الحارث إدريس»، في إشارة إلى مداخلاته ومخاطباته أمام المجتمع الدولي. وقد كان الحارث إدريس من أبرز أصوات الوفد السوداني في نيويورك، موجهاً انتقادات حادة إلى بعض الدول ومؤكداً موقف الحكومة السودانية من الحرب.
ومن نيويورك إلى الخرطوم، ظل السؤال الذي يحكم خطاب مناوي واحداً: من يملك حق تقرير مستقبل السودان؟
ولهذا قال بعبارة لا تحتمل التأويل: «نحن لا نسلم أنفسنا وأرضنا لناس أصلاً هم ما سودانيين»، مضيفاً أن «الشعب السوداني يختار قائده».
إجرام الإمارات والمليشيا
ثم انتقل إلى دارفور، حيث قال إن مليشيا الدعم السريع ارتكبت «إبادة جماعية» في الفاشر وود النورة في الجزيرة، وإن ما قامت به، بحسب وصفه، يمثل «إبادة جماعية ومحاولة للتغيير الديمغرافي»، متهماً «مليشيا الجنجويد المدعومة إماراتياً» بالوقوف وراء تلك الجرائم.
وفي واحدة من أكثر عباراته حدة، قال إن أحداً لا يستطيع منع السودانيين من حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم، مؤكداً: «لذلك لا أحد يمنعنا أن نحمل الكلاشنكوف وندافع به عن أنفسنا وأهلنا ضد الجنجويد».
ومع ذلك، شدد مناوي على أن موقفه ليس رفضاً للهدنة من حيث المبدأ. وقال: «نحن لم نرفض التوقيع ولا الهدنة، بل قلنا إننا نريد الهدنة اليوم قبل الغد»، لكنه اتهم المليشيا وداعميها بأنها تريد الهدنة من أجل إعادة ترتيب صفوفها ثم «الانقضاض على الشعب السوداني».
وبلغة أكثر اشتعالاً، تحدث عن استخدام الأسلحة التي وصفها بالمحرمة والكيماوي، وربط ذلك، في اتهام مباشر، بما سماه «أموال البترول»، في إشارة إلى الإمارات.
هكذا عاد مناوي من أمريكا، وفي يده حصيلة معركة سياسية خاضها بالكلمات، وفي استقباله حشود ضخمة أرادت أن تمنحه، قبل أن يبدأ حديثه، منصة أخرى غير تلك التي وقف عليها في نيويورك. هناك خاطب العالم؛ وهنا خاطبه السودانيون.
ولعل أكثر ما يلفت في مسيرة مناوي خلال هذه الجولة أنه لم يتعامل مع وجوده في الولايات المتحدة باعتباره مناسبة بروتوكولية، بل حوّل حضوره إلى منبر لمخاطبة السودانيين والعالم معاً. كان يرفع صوته كلما رأى أن الدبلوماسية صارت ستاراً على الحقيقة، ويخفض المسافة بين السياسي والمقاتل، وبين دارفور ونيويورك، وبين خطاب الدولة وهتاف الجماهير.
لقد خرج مناوي إلى العالم حاملاً قضية السودان كما يراها، وعاد من العالم ليجد حشوداً تستقبله في مطار الخرطوم. وبين المشهدين، ظل خطابه ثابتاً: لا تسليم للأرض، ولا تفويض للخارج، ولا قبول بأن يختار الآخرون للسودانيين قائدهم أو يرسموا لهم مستقبلهم.
نحن ندافع عن أنفسنا ضد إبادة أهلنا
وكانت كلمته الأخيرة أشبه بخلاصة الرحلة كلها: «العالم كله معانا لأننا بندافع عن نفسنا».
وفي بلد أنهكته الحرب، ربما لم يكن المشهد في مطار الخرطوم مجرد استقبال عابر؛ فقد أرادت الحشود أن تقول إن الصوت الذي خرج من نيويورك لم يكن صوت رجل واحد، وإنما صوت جمهور رأى في مناوي، خلال هذه الجولة، واحداً من أكثر أصوات السودان ارتفاعاً في مواجهة الخارج.
