
هل صنّفت الولايات المتحدة الحركة الإسلامية السودانية منظمةً إرهابية؟
هل صنّفت الولايات المتحدة الحركة الإسلامية السودانية منظمةً إرهابية؟
بقلم: برهاني تكلو نقا
من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا في الجدل السياسي السوداني اليوم الادعاء بأن الولايات المتحدة قد صنّفت بالفعل الحركة الإسلامية السودانية أو جماعة الإخوان المسلمين منظمةً إرهابية.
يتكرر هذا الادعاء في الخطب السياسية، والمقابلات التلفزيونية، والنقاشات على وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى في مقالات يكتبها معلقون من مختلف الاتجاهات السياسية.
غير أن الحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.
إن فهم الفرق بين المنظمة التي تُصنَّف رسميًا باعتبارها “منظمة إرهابية أجنبية” (Foreign Terrorist Organization – FTO) وبين الأفراد الذين تُفرض عليهم عقوبات بموجب القانون الأمريكي أمرٌ ضروري لإجراء نقاش عام مستنير. فالخلط بين هذين المفهومين القانونيين قد يُضعف مصداقية حجج سياسية قد تكون في أصلها مشروعة.
وبموجب المادة (219) من قانون الهجرة والجنسية الأمريكي (Immigration and Nationality Act)، فإن وزير الخارجية الأمريكي وحده هو الذي يملك سلطة تصنيف منظمة أجنبية باعتبارها منظمة إرهابية أجنبية. وقبل إصدار هذا التصنيف، يجب أن يتأكد الوزير من توافر ثلاثة شروط قانونية:
1. أن تكون الجهة منظمة أجنبية.
2. أن تكون منخرطة في نشاط إرهابي أو أعمال إرهابية، أو ما تزال تمتلك القدرة والنية على القيام بذلك.
3. أن يشكل نشاطها الإرهابي تهديدًا لأمن المواطنين الأمريكيين أو للأمن القومي للولايات المتحدة.
وعندما تُدرج منظمة ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، فإن الآثار القانونية تنصرف إلى المنظمة نفسها، وليس إلى بعض أعضائها فقط. فبموجب المادة (18 U.S.C. §2339B)، يصبح تقديم أي دعم مادي أو موارد لهذه المنظمة، عن علم، جريمة فيدرالية.
وقد أكدت المحكمة العليا الأمريكية هذا المبدأ في قضية Holder v. Humanitarian Law Project عام 2010، حيث قضت بأن الكونغرس يملك سلطة تجريم تقديم الدعم المادي حتى إذا كان الهدف منه تشجيع أنشطة قانونية أو سلمية، لأن هذا الدعم قد يسهم في تقوية المنظمة المصنفة ككل.
أما العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على أفراد بموجب الأوامر التنفيذية أو برامج العقوبات، فهي تختلف قانونيًا عن تصنيف منظمة إرهابية أجنبية. فهذه العقوبات تُطبق على الأشخاص أو الكيانات المحددة بأسمائها، من خلال تجميد أصولهم أو تقييد معاملاتهم المالية أو سفرهم، لكنها لا تعني تلقائيًا أن الحركة السياسية أو الحزب أو التنظيم الذي ينتمي إليه هؤلاء الأشخاص قد أصبح منظمة إرهابية أجنبية.
وبالتالي، فإن فرض عقوبات على بعض أعضاء حركة ما ليس معادلًا قانونيًا لتصنيف الحركة نفسها منظمةً إرهابية بموجب المادة (219) من قانون الهجرة والجنسية.
وهذا الفرق ليس مجرد مسألة فنية، بل يمثل مبدأً أساسيًا في قانون مكافحة الإرهاب الأمريكي، ويُفسر أهمية الدقة القانونية عند الحديث عن الحركة الإسلامية السودانية، أو جماعة الإخوان المسلمين، أو أي تنظيم سياسي أو فكري آخر.
فمن المشروع أن يدعو البعض إلى تصنيف منظمة معينة كمنظمة إرهابية أجنبية، أو أن يعارضوا ذلك، لكن ينبغي التمييز بوضوح بين ما ينص عليه القانون القائم حاليًا وبين ما يُطرح بوصفه مقترحًا سياسيًا للمستقبل.
ما هي المنظمة الإرهابية الأجنبية؟
بموجب القانون الأمريكي، يملك وزير الخارجية الأمريكي سلطة تصنيف أي منظمة باعتبارها منظمة إرهابية أجنبية (Foreign Terrorist Organization – FTO) وفقًا للمادة (219) من قانون الهجرة والجنسية.
وبمجرد حصول المنظمة على هذا التصنيف، تترتب عليها آثار قانونية بالغة الأهمية.
فالتصنيف ينصرف إلى المنظمة نفسها، وليس إلى بعض أعضائها فقط. ويصبح تقديم أي دعم مادي أو موارد لها، عن علم، جريمةً فيدرالية بالنسبة لأي شخص يخضع للاختصاص القضائي الأمريكي. كما قد يُمنع أعضاء المنظمة وممثلوها من دخول الولايات المتحدة، وتُفرض عليهم قيود مالية وهجرية متعددة، وتلتزم البنوك، والمؤسسات الخيرية، والشركات، والجهات الحكومية بتطبيق الآثار القانونية المترتبة على هذا التصنيف.
ومن بين المنظمات التي صُنفت رسميًا وفق هذا الإطار القانوني: حماس، وحزب الله، وحركة الشباب، وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش). ويعكس هذا التصنيف قناعة الحكومة الأمريكية بأن هذه المنظمات تمارس الإرهاب أو تنخرط في أنشطة إرهابية، وأنها تمثل تهديدًا للمواطنين الأمريكيين أو للأمن القومي للولايات المتحدة.
العقوبات على الأفراد أمر مختلف:
تمتلك الولايات المتحدة أيضًا منظومة واسعة من السلطات القانونية التي تتيح لها فرض عقوبات على أفراد أو شركات أو كيانات محددة.
وقد تشمل هذه العقوبات تجميد الأصول الخاضعة للولاية الأمريكية، أو حظر التعاملات مع الأشخاص الأمريكيين، أو فرض قيود على السفر، أو اتخاذ تدابير قانونية أخرى.
ومن المهم التأكيد على أن هذه العقوبات تنطبق فقط على الأشخاص أو الكيانات المذكورة بالاسم.
فإذا فُرضت العقوبات على خمسة من كبار مسؤولي حركة سياسية، فإن بقية أعضاء تلك الحركة لا يصبحون تلقائيًا خاضعين للعقوبات. كما أن معاقبة بعض قادة الحركة لا تحول الحركة نفسها إلى منظمة إرهابية مصنفة.
ويُعد هذا التمييز مبدأً أساسيًا في القانون الأمريكي.
لماذا يهم هذا الأمر بالنسبة للسودان؟
أصبح الخطاب السياسي السوداني، بصورة متزايدة، يخلط بين هاتين الفئتين القانونيتين.
فالولايات المتحدة فرضت عقوبات على بعض الشخصيات السودانية المرتبطة بالنظام السابق بسبب الفساد، أو انتهاكات حقوق الإنسان، أو غير ذلك من الأفعال. وهذه العقوبات ملزمة قانونًا بالنسبة للأشخاص الذين شملتهم.
إلا أن الحركة الإسلامية السودانية نفسها، حتى تاريخ كتابة هذا المقال، لم تُصنف رسميًا من قبل الولايات المتحدة باعتبارها منظمة إرهابية أجنبية.
ولا يعني ذلك موافقة الولايات المتحدة على الحركة، ولا يقلل من المخاوف المشروعة المتعلقة بالدور التاريخي الذي لعبته الشبكات الإسلامية في الحياة السياسية السودانية، أو في الحكم، أو في النزاعات المسلحة.
وإنما يعكس ببساطة الحقيقة القانونية المتمثلة في أن العقوبات الأمريكية وتصنيف المنظمات الإرهابية هما نظامان قانونيان منفصلان، يخضع كل منهما لمعايير قانونية مختلفة.
لا ينبغي أن يحل الخلاف السياسي محل الدقة القانونية:
لماذا ينشأ هذا الالتباس؟
تسهم عدة عوامل في انتشار هذا الفهم الخاطئ.
أولًا، يفترض كثير من المراقبين أنه بما أن منظمات مثل حماس، وحزب الله، وحركة الشباب، وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) مُصنفة منظماتٍ إرهابية، فإن الحركات الإسلامية الأخرى تُعامل تلقائيًا بالطريقة نفسها.
ثانيًا، جرى في بعض الأحيان تفسير العقوبات الأمريكية المفروضة على شخصيات سودانية معينة على أنها تمتد تلقائيًا إلى الحركة بأكملها التي ينتمي إليها هؤلاء الأشخاص.
وثالثًا، كثيرًا ما تستبدل الخطابات السياسية المصطلحات القانونية الدقيقة بتعابير سياسية عامة، مما يؤدي إلى الخلط بين التوجهات أو الرغبات السياسية وبين الواقع القانوني القائم.
ورغم أن هذه الافتراضات قد تبدو مفهومة، فإنها ليست صحيحة من الناحية القانونية.
الجدل السياسي يختلف عن الحقيقة القانونية:
ليس ثمة ما يمنع من الدعوة إلى أن تقوم الولايات المتحدة بتصنيف منظمة معينة باعتبارها منظمة إرهابية أجنبية.
فهذا موقف سياسي مشروع، يمكن تأييده أو معارضته استنادًا إلى التحليل القانوني، أو التقديرات الاستخباراتية، أو الاعتبارات الدبلوماسية، أو مقتضيات الأمن القومي.
غير أن الدعوة إلى اتخاذ مثل هذا القرار تختلف جذريًا عن الادعاء بأن القرار قد صدر بالفعل.؟؟
والحفاظ على هذا التمييز لا يضعف النقاش العام، بل يجعله أكثر قوة ومصداقية.
الحاجة إلى الدقة:
إن مستقبل السودان لن يتوقف على الخيارات السياسية وحدها، بل سيتأثر أيضًا بمستوى الخطاب العام وجودته.
فالمصطلحات القانونية تحمل معاني وآثارًا محددة، ولا يجوز استخدام مفاهيم مثل تصنيف الإرهاب، والعقوبات، والمسؤولية الجنائية، والانخراط الدبلوماسي، والمساءلة السياسية وكأنها مترادفات.
وسواء كان المرء مؤيدًا للحركة الإسلامية السودانية أو معارضًا لها، فإن النقاش حولها ينبغي أن يستند إلى حقائق قانونية يمكن التحقق منها، لا إلى افتراضات أو انطباعات.
فاللغة الدقيقة تُسهم في وضع سياسات أفضل، وتعزز مصداقية الخطاب العام، وتساعد على بناء علاقات أكثر فاعلية مع الشركاء الدوليين.
وفي الوقت الذي يمر فيه السودان بواحدة من أهم المراحل في تاريخه الحديث، فإن الدقة في استخدام المفاهيم القانونية والسياسية ليست ترفًا أكاديميًا، بل شرطًا أساسيًا لإجراء نقاش ديمقراطي واعٍ ومسؤول.
الخلاصة:
ماذا يعني ذلك بالنسبة لمستقبل الحركة الإسلامية السودانية؟
إن حقيقة أن الولايات المتحدة لم تُصنِّف رسميًا الحركة الإسلامية السودانية كمنظمة إرهابية أجنبية لا تحسم مستقبل الحركة السياسي داخل السودان، وإنما تعكس فقط الوضع القانوني الحالي في إطار القانون الأمريكي.
أما ما إذا كانت الحركة، أو الأحزاب المرتبطة بها ــ بما في ذلك العناصر المنتمية إلى حزب المؤتمر الوطني السابق ــ ستشارك في النظام السياسي السوداني مستقبلًا، فذلك في نهاية المطاف قرار يعود إلى الشعب السوداني، ومؤسساته الدستورية، وأي تسوية سياسية مستقبلية.
وفي الوقت نفسه، فإن عدم تصنيف الحركة كمنظمة إرهابية أجنبية لا ينبغي أن يُفهم على أنه إعادة تأهيل سياسي لها أو اعتراف دولي بها. فما زال عدد من الشخصيات المرتبطة بالنظام السابق خاضعًا للعقوبات، أو يواجه اتهامات تتعلق بالفساد أو انتهاكات حقوق الإنسان أو غيرها من المخالفات. وهذه القضايا ينبغي أن تُعالج من خلال إجراءات قضائية عادلة تستند إلى الأدلة وسيادة القانون.
ويتطلع السودان اليوم إلى خيارين رئيسيين:
الأول، انتهاج سياسة الإقصاء السياسي الشامل، من خلال حظر حركات سياسية كاملة ومنعها بصورة دائمة من المشاركة في الحياة العامة.
والثاني، السماح بمشاركة جميع القوى في عملية سياسية جامعة، مع ضمان التحقيق مع الأفراد المسؤولين عن الجرائم الجسيمة ومحاكمتهم وفقًا للقانون السوداني والقانون الدولي.
وتشير تجارب عدد من الدول الخارجة من النزاعات إلى أن السلام المستدام غالبًا ما يكون أكثر رسوخًا عندما تكون المساءلة فردية، فتُحاسَب المسؤولية على أساس أفعال الأشخاص، لا على أساس الانتماء إلى جماعة أو تيار سياسي أو فكري بأكمله.
وعليه، فإن مستقبل السودان سيتوقف بدرجة أكبر، لا على ما إذا كانت منظمة ما قد صُنفت بموجب قانون أجنبي، وإنما على قدرة السودان على بناء مؤسسات ديمقراطية تُعلي من شأن سيادة القانون، وتحمي الحقوق والحريات الأساسية، وتضمن أن تكون المنافسة السياسية سلمية، ودستورية، وخاضعة للمساءلة.
إن الدقة القانونية ينبغي أن تُثري النقاش السياسي، لكن الشعب السوداني وحده هو الذي يملك حق حسم القضايا المصيرية المتعلقة بالحكم، والمصالحة الوطنية، وإعادة بناء الدولة، من خلال عملية سياسية شرعية وشاملة.
___
برهاني نقا
ماجستير في القانون (LL.M)، كلية الحقوق بجامعة هارفارد.
ماجستير في الشؤون العالمية، كلية فليتشر للقانون والدبلوماسية، جامعة تافتس.
ماجستير في الشؤون الحضرية والسياسات العامة، جامعة بوسطن.
ماجستير في الشريعة الإسلامية، كلية القانون، جامعة الخرطوم.
بكالوريوس القانون (LL.B)، كلية الحقوق، جامعة محمد الخامس.
