
تقدم الجيش يفتح باب الحوار .. وصمود تطرق أبواب الخارج
تقدم الجيش يفتح باب الحوار .. وصمود تطرق أبواب الخارج
تقرير: مجدي العجب
ليست الدعوة إلى الحوار السوداني–السوداني اليوم دعوةً صادرةً من موقع الضعف، ولا محاولةً للبحث عن مخرج سياسي بعد انسداد الطريق؛ فالمشهد الميداني نفسه يقول إن ميزان الحرب قد تغيّر، وإن الجيش السوداني يحقق تقدماً متصلاً في عدد من المحاور، فيما تتراجع مليشيا الجنجويد وتفقد مواقعها وخطوط إمدادها، وتظهر على جسدها العسكري والسياسي علامات التفكك والانكشاف. وقد عكست التطورات الأخيرة في شمال كردفان هذا التحول، مع استعادة الجيش مناطق مهمة، بينها المزروب، في سياق ضغط متزايد على مواقع المليشيا وطرق إمدادها. فكل شبر تستعيده الدولة ينبغي أن يكون خطوةً نحو السلام، وكل انهيار في صفوف المليشيا ينبغي أن يفتح نافذةً للسياسة، لأن الدولة تقاتل من أجل سلام دائم وتثبيت أركانها. أن تستعيد الدولة عافيتها، وأن يعود السلاح إلى موقعه الطبيعي تحت سلطة الدولة، وأن يجلس السودانيون إلى مائدة واحدة ليقرروا كيف يُبنى السودان بعد الحرب.
وهنا تحديداً يصبح الحوار السوداني–السوداني ضرورةً وطنية لا مناورةً سياسية. فالسودان لا يمكن أن يظل رهينةً لنخب تتحدث من الخارج، أو لقوى تجعل من العواصم الأجنبية منصةً لإدارة صراعها مع الدولة. ومن المؤسف أن بعض القوى السياسية، وفي مقدمتها قوى صمود، اختارت أن تجعل من الخارج مسرحاً دائماً لحركتها السياسية، وأن تحمل إليه روايتها عن السودان بدلاً من أن تضعها أمام السودانيين أنفسهم. والأسوأ حين تتحول الخصومة السياسية إلى محاولات لتدويل الأزمة عبر اتهامات خطيرة، من بينها ما أثير حول السلاح الكيميائي. وهذه قضية لا تحتمل المزايدات ولا الأحكام المسبقة؛ فالادعاءات المتعلقة بالسلاح الكيميائي شهدت خلال الأشهر الماضية تقارير صحفية وتحقيقات دولية، في مقابل نفي رسمي سوداني قاطع واستعداد معلن للتعامل مع أي تحقيق من جهة دولية مختصة. ولذلك فإن تحويل هذه القضية إلى أداة سياسية أو إلى ذريعة جديدة لتوسيع التدخل الخارجي لا يخدم الحقيقة ولا السلام؛ فالحقائق الكبرى لا تثبتها المنصات السياسية، وإنما التحقيق المستقل والأدلة والجهات المختصة.
لحظة فارقة
والسودان الآن أمام لحظة فارقة.. جيش يتقدم على الأرض، ومليشيا تتراجع وتواجه ضغوطاً متزايدة، وبلاد أنهكتها الحرب وتحتاج إلى أن تتحول نهاية المعارك إلى بداية لبناء الدولة. ومن هنا فإن الحوار ليس بديلاً عن الدولة، ولا مساومةً على سيادتها، ولا إعادة تدوير لمنطق المليشيا؛ بل هو الطريق الذي ينبغي أن تلتقي فيه القوى السياسية الوطنية حول قاعدة واضحة: وقف الحرب، وتوحيد الجبهة الداخلية، وحماية الدولة، وترك مستقبل السودان للسودانيين. فمن أراد السلام فليأتِ إلى الداخل، ومن أراد الحوار فليجلس مع السودانيين، ومن أراد مستقبلاً سياسياً فليحتكم إلى الشعب. أما السودان فلا ينبغي أن يبقى ملفاً مفتوحاً على مكاتب الخارج. لقد طال الليل، وحان للسودانيين أن يكتبوا بأنفسهم الصفحة الأخيرة من الحرب، ثم الصفحة الأولى من الدولة.
الحوار ومحاولة صمود لتفكيك الدولة
وأكد الأكاديمي والمحلل السياسي الدكتور محي الدين محمد محي الدين علي أهمية المضي في الحوار السوداني–السوداني باعتباره المدخل الأوسع لوقف الحرب وتوحيد القوى السياسية حول مشروع وطني يحفظ وحدة البلاد وسيادتها، وأضاف في حديث لـ«ألوان» أن الحوار جاء في وقت يواصل فيه الجيش تقدمه في عدد من المحاور، بالتزامن مع تراجع وتفكك مليشيا الجنجويد وانحسار قدرتها على الاحتفاظ بالمواقع.
وقال إن التطورات الميدانية تفرض على القوى السياسية التقاط اللحظة والانتقال من صراع المنابر إلى مائدة الحوار، وانتقد محي الدين تحركات قوى صمود الخارجية، ووصفها بمحاولات تدويل الأزمة، خاصةً عبر إثارة اتهامات تتعلق باستخدام السلاح الكيميائي ضد الدولة، معتبراً أن القضايا السودانية ينبغي أن تُبحث داخل السودان وبالاستناد إلى الحقائق والتحقيقات المختصة، بعيداً عن الاستقطاب والوصاية الخارجية.
الحوار السوداني الحل الناجع
فيما أكد الصحافي والمحلل السياسي عبد العظيم صالح أن التطورات الميدانية، مع استمرار تقدم الجيش وتراجع وتفكك مليشيا الجنجويد، تفرض على القوى السياسية السودانية مراجعة حساباتها والاتجاه نحو حوار سوداني–سوداني يضع حداً للحرب ويؤسس لمرحلة سياسية جديدة.
وانتقد صالح بشدة تحركات قوى صمود الخارجية، معتبراً أن انتقالها بين العواصم والمنابر الدولية لم يعد يعكس البحث عن حل سوداني بقدر ما يعمّق تدويل الأزمة ويمنح الخارج مساحة للتدخل في الشأن الوطني. وقال في تصريح لـ«ألوان» إن صمود ارتكبت جرماً في حق الدولة حين جعلت من الضغط الخارجي بديلاً عن مخاطبة الداخل، ودفعت باتهامات خطيرة، غير مبررة سوى أنها تخدم الكفيل الإقليمي الذي يغذي مليشيا الجنجويد ضد الدولة، ومن بينها الحديث عن استخدام السلاح الكيميائي كفرية ضد الدولة، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تهدئة الخطاب وتهيئة المناخ للحوار.
وشدد على أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تُبنى على وقف الحرب بتفكيك مليشيا الجنجويد، وتوحيد القوى الوطنية، واحترام سيادة الدولة.
تبت يد الإمارات
إذًا، فإن فرية استخدام السلاح الكيميائي لا تبدو، في هذا الطرح، مجرد اتهام عابر، بل ورقة سياسية تُوظَّف للضغط على الدولة وتدويل الحرب، فيما تتحول قوى صمود إلى أداة في هذا المسار عبر حمل الرواية إلى الخارج وتقديمها كذريعة جديدة للتدخل. لكن مثل هذه الملفات لا تُحسم بالضجيج السياسي ولا بمنصات العواصم، وإنما بالأدلة والتحقيق المستقل؛ ويبقى الرهان الحقيقي على حوار سوداني–سوداني يحفظ الدولة وسيادتها ويضع حداً للحرب، وقد فشلت كل محاولات الإمارات في تنفيذ مشروعها ضد السودان، برغم استخدامها قوى صمود كذراع سياسي للمليشيا.
