عبدالرحمن مختار بين خريف الحزن وخريف الفرح

كتب: محرر ألوان

لقطة نادرة تجمع ما بين الزعيم إسماعيل الأزهري رافع علم الاستقلال ورئيس حكومته الأولى مع رائد الصحافة السودانية الحديثة عبدالرحمن مختار صاحب (الوكالة الأخبار الأفريقية) والتي تحولت إلى صحيفة الصحافة في بداية الستينيات. وقد نقلت التجربة الصحفية نقلة نوعية، فقد بدأت بإمكانيات واسعة حيث أسست أول مطبعة (أوفست) وأضافت الألوان للطبعة وأقامت (أكشاك) للتوزيع وسيارات نقل حديثة، بل أنه استطاع أن يوصل الصحيفة للأقاليم في نفس يوم الإصدار.
تخرج على يدي الرجل المئات من الصحفيين والصحفيات وارتبطت باسمه حزمة من الأحداث منها (عدد أكتوبر السري) والذي كشف عن أخبار الثورة الوليدة رغم المخاطر والرقابة، وكان وراء تأسيس (حي الصحافة) بالخرطوم والذي ارتبط باسم صحيفته. وقد عُرف الرجل بإجادته للغة الإنجليزية وإمكانياته المُقدرة في الترجمة المكتوبة والفورية، مما أهله لمرافقة الرؤساء السودانيين في رحلاتهم الخارجية، فكان رفيقاً في زيارات الأزهري خارج السودان وعبدالله خليل ومن بعدهم الفريق إبراهيم عبود. وله حوارات موثقة مع كثير من رؤساء الدول وصُناع القرار والفاعلين على الساحة الدولية في الخمسينيات والستينيات، وكانت تجمعه علاقة صداقة بالإمبراطور هيلاسلاسي إمبراطور إثيوبيا.
وقد صودرت صحيفته وأُممت في حكومة (مايو الأولى) التي كان يُسيطر عليها الحزب الشيوعي وتحالف اليسار السوداني من القوميين العرب والبعثيين، وللأسف فقد كان عرابو لجنة التأميم والمصادرة للصحف من قيادات العمل الصحفي آنذاك من الذين كانوا يَدَّعون الدفاع عن الحريات والديموقراطية، فكان رئيس لجنة تأميم ومصادرة الصحف وتشريد زملاء المهنة وذبح الصحافة من الوريد إلى الوريد الصحفي محجوب محمد صالح صاحب (الأيام) وقد عاونه في المجزرة شريكه في صحيفة (الأيام) الذي عُين آنذاك وزيراً للثقافة والإعلام محجوب عثمان وهو عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي وصاحب السقطة الاعلامية الشهيرة حين أذاعت إذاعته وتلفازه وصحافته خبر استشهاد الرئيس إسماعيل الأزهري السجين بكوبر والذي قضى ساعات بالقسم الجنوبي بمستشفي الخرطوم. وقد أدلى بعض الاطباء بشهادة خطيرة مفادها أن (قناع التنفس كان بلا أكسجين) وقد أٌحكمت رقابة شديدة على غرفته حتى أُعلن عن رحيل المُر وذهلت جماهير الشعب السوداني وهي تستمع لخبر وفاة زعيم الاستقلال بعبارة مؤسفة لا تليق بالرجل ولا تليق بتاريخه ولا تليق بأخلاق أهل السودان (توفي اليوم بمستشفى الخرطوم بالقسم الجنوبي المواطن إسماعيل سيد أحمد الأزهري المعلم بالمعارف السودانية). ورغم هذا التعتيم والسيطرة الأمنية والعسكرية والإرهاب فقد خرج آلاف السودانيين مودعين لزعيمهم إلى مقابر البكري، وقد قادت مظاهرة الغضب من أمام منزله المناضلة د. سعاد الفاتح البدوي والتي أُعتقلت بعد ذلك كأول معتقلة سياسية في مايو.
ظل الأستاذ عبدالرحمن بمنزله يُعاني الوحدة وشظف العيش ويجتر ذكرياته مع مهنة الرهق والمتاعب منذ مطلع السبعينيات حتى رحيله الفاجع في 2004 وقد أصدر كتابه (خريف الفرح) الذي سرد فيه خفايا وأسرار استقلال السودان (الأحداث والرجال) وهو شقيق الصحفي الرياضي والفني الساخر حسن مختار عليه الرحمة صاحب العمود الرياضي (من الركن) والعمود الفني الشهير (حزمة تَفانين).
وقد عمل معنا في أُخريات أيامه بصحيفة (ألوان) وترأس رئيس تحرير صحيفة (الحياة والناس) الاجتماعية. تخرج على يديه أجيال من الإعلاميين الذين يملأون الآن الساحة إجتهاداً وإضافة. رحم الله الأخوين عبد الرحمن مختار وحسن مختار والحديث في حقهم وفي حق جريدة (الصحافة) حديثٌ ذو شجون.