حسن بشير يكتب: حظر استيراد الفول.. هل نزرع البديل أم نرفع السعر؟

ضربة جزاء

حسن بشير

حظر استيراد الفول.. هل نزرع البديل أم نرفع السعر؟

 

قرار حظر استيراد الفول يمكن أن يكون أكثر من مجرد قرار تجاري؛ يمكن أن يتحول إلى رسالة واضحة بأن السودان يريد أن يأكل مما يزرع، وأن المزارع السوداني يجب أن يجد في السوق المحلي فرصة حقيقية لإنتاجه. لكن بين القرار ونجاحه مسافة لا تُقطع بالقرارات وحدها، وإنما بالإنتاج.
الفول ليس سلعة هامشية في المائدة السودانية، بل هو جزء أساسي من الغذاء اليومي، ولذلك فإن أي قرار يتعلق باستيراده سيمس المواطن والمزارع والتاجر في وقت واحد. ومن هنا تأتي أهمية أن يكون الهدف من الحظر هو زيادة الإنتاج المحلي وليس مجرد تقليل المعروض في الأسواق.
إذا كان الفول المستورد ينافس المنتج المحلي بسبب انخفاض تكلفته، فإن حماية المنتج السوداني تبدو منطقية، خصوصًا إذا كانت البلاد تمتلك الأراضي والمياه والخبرات الزراعية القادرة على إنتاج كميات كبيرة. لكن حماية الإنتاج لا تعني إغلاق الباب أمام الاستيراد ثم انتظار المعجزة.
المعادلة أبسط من ذلك: أعطِ المزارع ما يحتاجه، وسيعطيك ما يحتاجه المواطن.
المزارع يحتاج إلى تقاوي جيدة، وتمويل في الوقت المناسب، ووقود، وأسمدة، ومبيدات، ومياه، وإرشاد زراعي، ثم سوق عادل يضمن له عائدًا يشجعه على الاستمرار. أما أن نمنع الاستيراد بينما تظل تكلفة الإنتاج مرتفعة، فهنا قد نجد أنفسنا أمام مشكلة أخرى: انخفاض المعروض وارتفاع الأسعار. وهذه هي النقطة التي يجب ألا يغفلها القرار.
فالهدف الحقيقي ليس أن يصبح الفول نادرًا في السوق، وإنما أن يصبح الفول السوداني أكثر حضورًا وأقل تكلفة وأكثر قدرة على منافسة المستورد. عندها يكون الحظر قد أدى وظيفته الاقتصادية، لا أن يتحول إلى عبء جديد على المواطن.
السودان لديه فرصة كبيرة في هذا الملف، خصوصًا مع اتساع الرقعة الزراعية وتعدد البيئات الصالحة للزراعة. وإذا أُحسن التخطيط، يمكن أن يتحول الفول من محصول للاستهلاك المحلي فقط إلى محصول ذي قيمة اقتصادية، يساهم في تشغيل المزارعين وتحريك الصناعات المرتبطة به، وربما فتح أسواق خارجية مستقبلًا.
لكن المطلوب هنا سياسة متكاملة، لا قرار منفرد.
يجب أن تسير حماية المنتج المحلي بالتوازي مع زيادة الإنتاج، وتحسين التخزين، وتقليل فاقد ما بعد الحصاد، وتنظيم الأسواق، ومنع الاحتكار، وتوفير المعلومات للمزارعين حول الأسعار والمساحات المطلوبة. كما يجب أن تكون هناك مراجعة دورية للقرار حتى لا تتحول الحماية إلى احتكار أو ارتفاع غير مبرر للأسعار.
المزارع يريد سعرًا مجزيًا، والمواطن يريد سعرًا معقولًا، والدولة تريد تقليل فاتورة الاستيراد. وهذه المصالح الثلاثة ليست متعارضة إذا وُجدت إدارة جيدة للسوق.
أما الخطأ فهو أن نضع المزارع والمواطن في مواجهة بعضهما؛ المزارع ليس خصمًا للمواطن، والمواطن ليس خصمًا للمزارع. كلاهما يحتاج إلى سياسة زراعية واقتصادية عادلة.
حظر استيراد الفول يمكن أن يكون بداية صحيحة، لكنه لن يصبح نجاحًا إلا عندما نرى أثره في الحقول قبل الأسواق؛ مساحات أكبر مزروعة، إنتاجًا أعلى، تكلفة أقل، وأسعارًا مستقرة.
نحن لا نحتاج فقط إلى حظر الفول المستورد، بل نحتاج إلى إنتاج فول سوداني يجعلنا في غنى عنه.
وهنا يكون القرار قد انتقل من مجرد منع الاستيراد إلى صناعة الاكتفاء والإنتاج.