
حسين خوجلي يكتب: جدلية القَبِيلة والقَبَلية
*حسين خوجلي* يكتب:
*جدلية القَبِيلة والقَبَلية*
دُعيتُ قبل سنوات لندوة مغلقة حول (القبِيلة والقَبَلية جدلية السالب والموجب) فاستعرضت في معرض فرصتي في الحديث متوسلاً بحكاية لعروة بن الورد وزوجته وحبيبته وأم ولده التي خُيرت بينه وبين أبناءها وما ينطوي عليه من قيم ومكارم وجود وبين قومها فاختارت قومها عليه وللقصة نهاية أليمة. وعندما أكملتها صمتت المنصة لدقائق ثم بدأ الحوار.
تقول الحكاية:
أغار عروة بن الورد على بعض أحياء العرب فأصاب منهم امرأة تدعى سلمى وتكنّى أم وهب، فعلِقَها فأعتقها وتزوّجها فمكثت عنده بضع عشرة سنة، وولدت له أولادا، ثم إن قومها افتدوها، فخيّرها عروة بعد ذلك بين المقام مع ولدها والرجوع إلى قومها، وكان يرى أنها لا تختار عليه فاختارت قومها. ثم أقبلت عليه وقالت: يا عروة، إني أقول فيك وإن فارقتك الحقّ، والله ما أعلم امرأة من العرب وضعت سترها على بعل خير منك أغضّ طرفا، وأقلّ فحشا، وأجود يدا، وأحمى لحقيقة، وما مرّ يوم مذ كنت عندك إلّا والموت فيه أحبّ إليّ من الحياة بين قومك، وذلك أنّي كنت أسمع المرأة من قومك تقول: قالت أمة عروة كذا، وقالت أمة عروة كذا، ووالله لا أنظر في وجه غطفانيّة أبدا، فارجع راشدا إلى ولدك وأحسن إليهم.
ثم أتت نادي القوم، فقالت تثني على عروة: أما إنك والله ما علمت إلا ضحوك السن مقبلا، كسوبا مدبراً، خفيفا على متن الفرس، ثقيلا على قلب العدو، طويل العماد، كثير الرماد، راضي الأهل والجانب، ثم فارقته ورجعت إلى قومها. فتزوجها ابن عم لها، فقال لها يوما: يا سُليم، أثني علي كما أثنيت على عروة
فقالت: لا تكلّفني ذلك، فإنّي إن قلت الحق أغضبتك، ولا والله لا أكذب عليك!
قال: عزمت عليك لتأتيني في مجلس قومي فلتثنينّ عليّ بما تعلمين! وخرج فجلس في نادي القوم. وأقبلت، فرماها الناس بأبصارهم، فوقفت عليهم وقالت: أنعموا صباحا، إنّ هذا عزم عليّ أن أثني عليه بما أعلم، فقالت: والله إن شملتك لالتحاف، وإن أكلك لاقتفاف وإن شربك لاشتفاف، وإنك لتنام ليلة تخاف، وتشبع ليلة تضاف، وما ترضي الأهل ولا الجانب! ثم انصرفت.
فلامه قومه وقالوا: ما كان أغناك عن هذا القول منها!
حاشية:
ولو كنت تحريفياً لجعلت للحكاية نهاية، قيل بعد أنه بعد أن مسحت سلمى وجه هذا الأحمق بالتراب ثارعليه قومه فطلقها فلحِقت بعروة وأبناءها. وبهذا تكون قد أرضت قبيلتها وحبيب القلب ورددت في أولا صلاة للفجر
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}
