حسين خوجلي يكتب: حكاية سودانية .. النصيحة يا بيبي المرة دي عواستَك تخينه ودُارش

*حسين خوجلي يكتب:*

*حكاية سودانية*

*النصيحة يا بيبي المرة دي عواستَك تخينه ودُارش*

*دارفورفي قلب إمبراطورية صهيون الجديدة*

1
كانت لنا في الجامعة طوائف من الجمعيات الشهيرة والتي تعمل في الهواء الطلق منها: منتدى الفكر والفلاسفة وأصدقاء القراءة والكِتابة وروابط معجبي الفنانين وروابط المدن والولايات ورابطتا مشجعي الهلال ورابطة مشجعي المريخ وهنالك نادي القصة ونادي الشعر ونادي الموسيقى والمسرح وهلم جرا.
ولكن بجانب ذلك الزخم الكبير من الجمعيات والروابط فقد كانت هناك مجموعة من الجمعيات الصغيرة الجهري منها والسري، وكانت في غالبيتها مؤثرة ومتغلغلة تُشيع في الجامعة شيئاً من الأنس والتوجس والنقاش حسب الاهتمامات والقضايا، ومنها جمعية يقودها مجموعة من الطلاب الملتزمين الذين لا ينتمون إلى أي تكوين سياسي ويعلنون براءتهم سياسياً أمام الجميع تسهيلاً لمهماتهم وهروباً من التصنيف.
وقد تسموا بمجموعة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وأشهد أنهم كانوا يمارسون نشاطهم بغير غلظة ولا تعسف. ولأن المجتمع الجامعي محدود فقد حصروا اهتماماتهم في دعوة الطلاب والطالبات لصلاة الجماعة ونصيحة الطالبات المتبرجات بالستر،وكانوا دائماً ما ينصحون صاحبات السيقان اللوامع الصقيلات بعبارة اشتهرت في الجامعة : ( يا زميلة كان ما خفتي من الله خافي من العين) وكان رد الجميلات متفاوت في وجوههم حسب الطبائع ولكن مما شاع من التعليقات : (انت الوداك تعاين ليهم شنو؟).
وقد تزايد نشاطهم خاصة وأن الزي الإسلامي لم يكن في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات ظاهرةً كيوم الناس هذا، بل كان يبدو مثل (باقي الوشم في ظاهر اليد) .
وقد سماهم العشاق الكَذَبة من الطلاب (بعصابة العوازل) وللحقيقة فإنهم ما كانوا يتدخلون إذا كان الرفقة مأمونة وأمام الجميع. كانت البسمات الوضيئات لا تستفزهم ولا مقاسمة الطالب للطالبة السندوتشات أو اقتسام عصير (الميرندا)، إلا أن القهقهات كانت تثير غضبهم وتوترهم مثل ما يثيرهم الالتصاق في الأماكن المشبوهة تلك التي تنقطع عنها الأرجل والحركة.
وقد أخطرهم أحد وشاة الجامعة يوماً أن أحد جميلاتها كانت تختلي في مكان مشبوه مع (دنجوان) جامعي شهير عليه وسامة ونعمة ( وبياع كلام وتاكسي غرام ) وله سيارة فارهة وفرها له والده رجل الأعمال الخرطومي المعتبر في زمان كانت البسكليت تستعصي على الآلاف .
تحركت المجموعة الفدائية صوب المكان وقد وجدت أن المسافة بين الرجل والفخذ ليس بينها سنتمتر واحد فهتفوا في وجه العاشق والعاشقة الولهانين بهتاف داوٍ وخطبة عصماء وجدل فقهي حول الاختلاط المشروع والخلوة المحرمة، وتعالت الأصوات فقد كان العاشق والعاشقة بلا حياء والحب الكاذب يغتال كل الفضائل. تسربت مجموعة من طالبات وطلاب الجامعة لمشاهدة المعركة الضروس وانقسم الطلاب لفريقين فريق ينادي بالحريات العامة وعدم التدخل في الخاص وحقوق الإنسان، وفريق ينادي بالالتزام والاحتشام وقد تعالت دفوعاته بالحديث الصحيح فعن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول 🙁 من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ).
وفجأة أصبحت الحادثة ركناً للنقاش ساهم فيها الإسلاميون الحركيون والسلفيون والجمهوريون والبعثيون والشيوعيون والاتحاد الاشتراكي، لكن أميز ما في المعارك والأحداث السياسية والاجتماعية في بلادنا أنها تُوثَق وتُخَلد عبر عبارة تنطلق في تلقائية ممن قلب الحدث، فقد صاحت إحدى طالبات البادية الفصيحات في وجه العاشقة المُغرر بها: ( النصيحة يا تاتا المرة دي عواستِك تخينه ودُراش) وصارت من بعد مثلاً سائراً في المجتمع الجامعي.
ولأن الحكايات السودانية دائماً ما تسعفك في تفسير المواقف السياسية بكل تعقيداتها مهما استعصت، فقد أسعفتني هذه الحكاية الجامعية القديمة وأنا أشاهد وأستمع وأتأمل للسفاح بنيامين نتنياهو( بيبي) والرجل مولع بالخرائط فقد نشر بلا حياء خريطة للعالم العربي والإسلامي يتباهى بها عن الأمبراطورية الصهيونية الجديدة ويطلق فيها رؤيته حول الأمن القومي الإسرائيلي، وقد اختار لخريطته وفكرته الآثمة خمسة ألوان.

2
اللون الأزرق الداكن تبدو فيه إسرائيل والإمارات كدولة واحدة (وكما يقول الشريف زين العابدين الهندي تربطهم سَلَبَه ويقطعهم سيف) تحالف ثنائي آثم لا يُبالي بالإبادة الجماعية في غزة والمجازر اليومية في الضفة الغربية، ولا حريق النساء والرجال في جنوب لبنان ولا استباحة الأرض والشرف السوري ولاتمزيق طفلات إيران إلى أشلاء وشظايا ولا غضب الشارع الإسلامي المكتوم الذي كاد من المرار أن يفجر العقول المذهولة ويمزق القلوب الواجفة.
أما اللون الأزرق السماوي فهو يضم الحلفاء الذين يأتمرون بأمر الإمبراطورية الصهيونية الجديدة بنواتها الصلبة وهذا الحلف يضم قبرص و إثيوبيا وصوماليلاند وسلطة نيالا (الدعم السريع) وليبيا حفتر.
وفي محور آخر عبرعنه نتنياهو بأنه العدو الأول ظلله باللون الأحمر القاني( النبيتي) وقد أسماه بالمحور الممانع الشيعي الذي تتزعمه إيران مع حلفائها المناضلين في المنطقة باليمن وغزة وجنوب لبنان والعراق.
أما الثالث فقد أسماه نتنياهو (بالماسة السنية) وجعله باللون الأخضر القاني ويتكون من مصر السعودية وتركيا وباكستان وهو العدو المباشر لحلف إسرائيل والإمارات والأخريات التوابع .
أما الأخضر الفاتح فهو يمثل حلفاء (الماسة السنية) تشمل الأردن، وسوريا، وقطر، والكويت، والسلطة الفلسطينية، وحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس (ليبيا)، وقبرص التركية، والحكومة المعترف بها دولياً في السودان.

3

أما أخطر ما جاء في مؤتمره من غير سطوته على الأرض هو إعلانه عن تأسيس أضخم (كارتيل) يضم أضخم مصانع للأسلحة بكل أنواعها مع تكنولوجيا وتحريك لبناء السفن ولطائرات والمسيرات ومنصات التشويش وتكنولوجيا التحريك والإدارة عبر الأقمار الاصطناعية والذكاء الاصطناعي،وقد أعد بداية للمشروع 450 مليار شيكل وسوف تكون كل تلك المنظومة تحت الأرض منوهاً بقوله: لقد انتهى ذلك الزمان الذي يجعلنا نقع تحت رحمة وحب أو كراهية أي رئيس أمريكي قادم.

كل العالم كان مندهشاً للخريطة وتفسيراتها ولجرأة ننتنياهو الذي خرج من عباءة التطبيع إلى عباءة التركيع بلا حياء، وأصبحت المرافعة التي كانت تدار بالأمس في الغرف المغلقة أصبحت منشوراً يوزع اليوم في أسواق الخضروات والجزارة والبقالات العربية والإسلامية. فالغاصب والمعتدي حين يصل لمرحلة قصوى من الصلف فإن الصمت والتغليف والبلاغة والتستر عنده يصبح ضعفاً ومنقصه.
فهل أدركتم الآن لماذا تشتعل الحدود السودانية الإثيوبية والإريترية تمهيداً لتصبح إثيوبياً إمبراطورية إفريقية تابعة للإمبراطورية الصهيونية الكبرى، وهل أدركتم لماذا تخطط إسرائيل بخنق البحر الأحمر وتحويله إلى بحيرة يهودية، ولماذا تستفز مصر عبر التجويع والديون والضغط الأمريكي المفضوح، ولماذا يحاصرون الصومال المقاتلة بدويلة صومالي لاند التي هي بالأحرى مرفأً إسرائيلي جديد يتم ترتيب الاعتراف به فوق رؤوس الأشهاد ، وهل أدركتم الآن أنهم بلا حياء وبلا مداراة قد عمدوا السفاح حميدتي حاخاماً أسوداً وجعلوا من دارفور محمية صهيونية مقدمة لاحتلال تشاد وأفريقيا الوسطى بصحراءها وبنفطها وبحرها وبقلبها الذي قسم إلى نصفين، وقد أعدوا الجنازة تحت مقصلة الشهيد عمر المختار والنظرات الولهى والأفواه المتلمظة ترقب من بعيد للجزائر الثائرة والأخريات.، وهل أدركتم حجم التمويل لهذه الإمبراطورية التي جعلوا من الإمارات العربية المسلمة أحد موارده.
إن موقف الإمارات العربية من قضايا العالم العربي والإسلامي وتراثه المصادم والمرتبط بهذه الأمة الشاهدة موقف مخزٍ ومحزن ومستفز. خاصة وأنه موقف أصبح في ذهن الشارع العربي يمثل التصاقاً سيامياً وخلوة منكرة بين عاشقة سافرة وعاشق كذوب. ألا ترى عزيزي القارئ أن هذا الموقف يذكرك بالحكاية السودانية في الجامعة بين جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والخلوة المفضوحة وأركان النقاش. هنا لم يبق لنا إلا أن نهتف في وجه أمير المؤمنين والعضو السامي الأخير في جامعة الدول العربية بنيامين نتنياهو مطأطئي الرؤوس وساخرين: (النصحية يا بيبي المرة دي عواستَك تخينه ودُراش..!!)

“`4
حاشية:
ومثلما انشغل الرأي العام السوداني والعربي والإماراتي والإسرائيلي بالعبارة الفصيحة للسفير الحارث إدريس (شسع نعل كليب ) فلا ضيرأن ينشغل هذه المرة بالعبارة السودانية وقصتها ( النصيحة يا تاتا المرة دي عواستِك تخينه ودُارش..!!).“`