إسحق أحمد فضل الله يكتب: (إذ ليس في السودان بيرم)

مع إسحق

إسحق أحمد فضل الله

(إذ ليس في السودان بيرم)

 

هل هبط سعر الذرة من سبعمائة ألف إلى نصفها؟
وفي يوم؟
هذا إذن يكشف عن أن ما كان يمكن شراؤه بثلاثمائة ظل يقطع من أكباد الناس ضعف هذا، ويتمطى ليبلغ المليون.
وهل هبط السعر إلى نصفه في يوم؟
إذن هذا يعني الشعور بالذعر، وأن من كان يمضغ أكباد الناس يشعر أن شاكوشًا يرتفع فوق رأسه.
والارتفاع والهبوط كلاهما شيء يعني أنه…
لا حكومة.
…….
وفي مصر الأربعينات كانت الحكومة تجمع الضرائب بصورة مخيفة…
والحكومة خافت… وحتى تظل تجمع وبعيدًا عن الخطر، الحكومة تبيع للمجلس البلدي… الخواجاتي يومها… تبيع له مبلغ الضرائب مقاولة… المجلس يدفع ثم يفعل بالناس ما يفعل.
وبالفعل، المجلس البلدي كان يصادر سروال المواطن في الشارع.
وشاب ليس معروفًا، اسمه بيرم التونسي، يكتب ساخرًا:
(يا بائع الفجل بالمليم واحدة
كم للعيال وكم للمجلس البلدي)
وفي القصيدة يقول:
(أخشى الزواج لخوفي أن يسابقني
إلى عروسي المجلس البلدي
وأخاف إن وهب الرحمن لي ولدًا
أن يدعيه المجلس البلدي
يا بائع الفجل بالمليم واحدة
كم للعيال، وكم للمجلس البلدي)
….
ويقول:
(حتى الرغيف إذا ما جئت آكله
فالنصف لي والنصف ذا
للمجلس البلدي
كان أمي، بل الله تربتها،
أوصت فقالت: أخوك المجلس البلدي)
……
والقصيدة أصبحت هي لواء الثورة على الحكومة وعلى المجلس البلدي.
والسودان اليوم بلا فجل، ولا حكومة، ولا بائع، ولا مليم.
السودان الآن المواطن فيه بلا عمل لكسب مليم.
بلا سوق… السوق احتكره رجل واحد معروف، هو الآن من يسمح لك بأن تتبول أو لا تتبول.
والسودان الآن بلا حكومة يلتفت إليها.
والسودان الآن بدون بيرم يصرخ بلسانه.
ونقص الأسبوع الماضي قصة الشيخ الذي، لما أقسم عليه الخديوي أن يأكل من الطعام أمامه، الشيخ عندها يخمش خمشة من الرز، ثم يعصرها فتقطر دمًا، ليقول للخديوي:
هذه هي دماء الناس التي تأكلها.
وبشرى… بشرى… فالتجار الذين يفعلون بالناس الآن الأفاعيل لن يعصروا دماء الناس، ولسبب بسيط هو:
أنه لم يبق للناس دماء.