
أبوذر عوض الكريم يكتب: سِفرُ الخلود
شموخ وطن
أبوذر عوض الكريم أحمد
سِفرُ الخلود
□ في ذاكرة الحضارات أمكنةٌ مرّت بها القرون، وأمكنةٌ تركت القرون تمرّ أمامها وهي تحتفظ بأسرارها. وعلى ضفاف النيل قامت ممالك عرفت معنى السلطان، وشاد الإنسان صروحه من صخر الأرض، وترك للأزمنة شواهد عصيّة على النسيان. هنا كوش التي لم تكن هامشاً في تاريخ العالم القديم، ومروي التي حملت آثار عبقرية إنسانها، وأهرامات البجراوية التي تقف في صمت الملوك، كأنها تحفظ للزمان عهداً لم تنقضه السنون. ذلك مجدٌ لا يستمد قيمته من المبالغة في وصفه، بل من حقيقةٍ ما زالت الحجارة تنطق بها، وما زالت الأرض تحتفظ ببعض أسرارها.
□ تمتد البلاد على فسحةٍ تتبدّل فيها ملامح الطبيعة كما تتبدّل نغمات الموسيقى؛ من رمال الشمال التي تحفظ وقع الخطى القديمة، إلى خضرة الجزيرة التي تعرف سرّ البذرة ومواعيد الحصاد، ومن سواحل البحر الأحمر التي تفتح أبواب الأفق، إلى جبال النوبة وفضاءات الغرب الرحبة، حيث تتعدد الألوان والإيقاعات وطرائق الحياة. لا تشبه جهةٌ أخرى تماماً، ولا تفقد الجهات خيطها الجامع؛ فلكل أرضٍ طباعها، ولكل مجتمعٍ ذاكرته، وفي هذا التنوع سرّ ثراء لا تمنحه الجغرافيا وحدها، بل تصنعه قرونٌ من التفاعل والمعايشة.
□ وللإنسان السوداني حكايةٌ لا تختصرها الملامح ولا تستوفيها الأوصاف الجاهزة. في صوته شيءٌ من اتساع المكان، وفي مجالسه متّسعٌ للغريب، وفي اعتداده بنفسه خصلةٌ لا تحتاج إلى ضجيج. يعرف كيف يمنح الأشياء البسيطة قيمةً أكبر من أثمانها؛ ففنجان القهوة (الجَبَنَة) قد يصير مجلس أُنس، واللقمة القليلة قد تتسع لضيفٍ لم يكن في الحسبان، والتحية العابرة قد تفتح باب معرفةٍ يمتد سنوات. تلك التفاصيل التي لا تظهر في خرائط الجغرافيا هي التي تمنح المكان روحه، وتجعل الانتماء تجربةً تُعاش، لا عبارةً تُردّد.
□ وفي الذاكرة السودانية جمالٌ لا يُرى بالعين وحدها؛ تسكنه نبرة الأم وهي تنادي أبناءها، وصوت الباعة في الأسواق، ورائحة الخبز في الصباح، وخطوات العائدين عند المغيب، وحكايات الجدات (الحبوبات) التي كانت تمنح الليل حياةً أخرى. هناك مدنٌ تحمل أسماءها كما يحمل المرء ملامحه، وقرى لا تحتاج إلى لافتاتٍ كي تدلّ أبناءها على الطريق، وأشجارٌ صارت جزءاً من سيرة العائلات، وبيوتٌ بقيت في الوجدان أكبر من جدرانها. ومن هذه الجزئيات يتشكّل ذلك الشعور العميق الذي يجعل المرء، مهما ابتعد، قادراً على استعادة مكانه من رائحةٍ أو نغمةٍ أو كلمة.
□ ولم تكن الثقافة السودانية يوماً حبيسة لونٍ واحد أو صوتٍ واحد. في الطمبور والمردوم والربابة والدليب، وفي المديح والإنشاد، وفي الشعر الفصيح والقصيدة الشعبية، تتجاور عوالم من التعبير تحمل اختلاف البيئات وثراء التجربة. وتتسع الهوية بقدر ما تتسع مساحتها الإنسانية، فلا تُقاس بمدى تشابه الناس، بل بقدرتهم على الاعتراف المتبادل، وصون الخصوصيات، وصناعة مساحةٍ مشتركة لا يُطلب فيها من أحد أن يتخلى عن ملامحه كي يكون جزءاً من الصورة الكبرى.
□ أما المرأة السودانية، ففي حضورها حكاية كفاحٍ ممتدة من البيت إلى ميادين المعرفة والعمل، ومن حفظ الذاكرة العائلية إلى الإسهام في تشكيل المجتمع. وفي الرجل الذي يحرث الأرض، والصانع الذي يطوّع الحديد، والمعلم الذي يفتح أبواب الفهم، والطبيب الذي يسهر على حياة الآخرين، والفنان الذي يحوّل التجربة إلى أثرٍ باقٍ، تتعدد الوجوه التي تحمل البلاد على أكتافها. هؤلاء لا يحتاجون إلى أضواءٍ كي يكتسب عملهم قيمته؛ فهم جزءٌ من البنية العميقة للحياة، ومن جهدهم اليومي تتكوّن المعاني التي تستحق أن تُروى.
□ إن الاعتزاز بالتاريخ لا يكتمل بمجرد الوقوف أمام آثار الأقدمين، كما أن جمال الأرض لا يبلغ غايته في الصور والقصائد. القيمة الأسمى لهذا الإرث أن يوقظ في الأجيال رغبةً في الإضافة، وأن يجعل المعرفة امتداداً للحضارة، والعمل امتداداً للكرامة، والإتقان امتداداً لذلك الذكاء الذي ترك بصمته في المعابد والأهرامات. فالأمم التي تعرف وزن تاريخها لا تتخذه وسادةً للراحة، وإنما تجعله مسؤوليةً تدفعها إلى الأمام؛ لأن المجد الذي لا يُضاف إليه يظل حكايةً جميلة، مهما كان عظيماً.
ولشموخ وطن كلمة:
□ ليست عظمة البلاد في أن تخلو من النقص، ولا في أن تظل صورتها معلّقةً على جدار الأمجاد القديمة؛ عظمتها في قدرتها على أن ترى نفسها بصدق، وتعرف ما تملك، وتواجه ما ينقصها، ثم تمضي إلى البناء بعقلٍ لا يبدّد الفرص، وإرادةٍ لا تستسلم لصعوبة الطريق. وبين حضارةٍ تركت آثارها في التاريخ، وإنسانٍ يحمل في وجدانه ملامح أرضه، ومستقبلٍ ينتظر من يصنعه، تتشكّل القيمة الحقيقية للانتماء.
□ سيظل السودان حكايةً أكبر من حدود الورق، وأغنى من أن تستوعبها عبارة، وأعمق من أن تختصرها صورة. وفي كل ذرةٍ من ترابه أثرُ إنسان، وفي كل جهةٍ منه فصلٌ من سيرةٍ متجددة، وفي وجدان أبنائه مساحةٌ لا تنال منها المسافات. ذلك شموخٌ لا يحتاج إلى استعارة تاجٍ من أحد؛ فله في التاريخ شواهده، وفي الأرض ملامحه، وفي الإنسان سرُّ بقائه.
