حسن بشير يكتب: السودان وموسكو.. زيارة تتجاوز حدود الدبلوماسية

ضربة جزاء

حسن بشير

السودان وموسكو.. زيارة تتجاوز حدود الدبلوماسية

لم تكن زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى العاصمة الروسية موسكو مجرد مشاركة في قمة دولية، أو لقاء بروتوكولي مع القيادة الروسية، بل جاءت في توقيت يحتاج فيه السودان إلى توسيع علاقاته الخارجية، والبحث عن شراكات سياسية واقتصادية تسهم في دعم استقرار الدولة وإعادة بناء ما دمرته الحرب.
الزيارة التي جاءت للمشاركة في القمة الروسية الأفريقية الثالثة، يومي الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من أكتوبر، حملت دلالات تتجاوز برنامج القمة، خاصة أن الوفد السوداني ضم وزير الخارجية ووزير المالية والمدير العام لجهاز المخابرات العامة والمدير العام لمنظومة الصناعات الدفاعية، إلى جانب مدير مكتب رئيس مجلس السيادة.
هذه التركيبة تعكس تعدد الملفات المطروحة أمام الجانبين؛ فالعلاقة بين الخرطوم وموسكو لم تعد محصورة في حدود التبادل الدبلوماسي، وإنما تمتد إلى السياسة والاقتصاد والتعدين والطاقة والصناعات الدفاعية والبنية التحتية.
ويكتسب هذا التقارب أهمية إضافية مع احتفال البلدين بمرور سبعين عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية، وهي مناسبة تتيح فرصة لمراجعة مسيرة طويلة من العلاقات، والانتقال بها إلى مرحلة تقوم على المصالح المشتركة والمشروعات العملية.
لقد وجدت المواقف الروسية في عدد من المحافل الدولية اهتماماً من الجانب السوداني، خصوصاً ما يتعلق بسيادة السودان ووحدة أراضيه، وهو ما أشار إليه البرهان في خطابه أمام القمة، مثمناً المواقف الروسية تجاه السودان خلال فترة الحرب.
لكن العلاقات الدولية لا تُقاس بالمواقف السياسية وحدها، وإنما بما تنتجه من مصالح ومكاسب ملموسة للشعوب.
ومن أبرز الملفات التي برزت خلال لقاء البرهان بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فرص الاستثمار في التعدين، خاصة الذهب والنحاس، إلى جانب مقترح إقامة منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر، والاستفادة منها في تخزين الوقود والقمح. كما طُرحت إمكانية التعاون في تطوير السكك الحديدية والبنية التحتية للنقل.
وهنا تبرز أهمية هذه الملفات بالنسبة للسودان، فبلادنا تمتلك موارد طبيعية وموقعاً جغرافياً مهماً، لكنها تحتاج إلى استثمارات حقيقية وتقنيات حديثة وشراكات تنقل هذه الموارد من دائرة الإمكانات إلى دائرة الإنتاج.
والسؤال الذي ينبغي أن يظل حاضراً هو: كيف يمكن تحويل هذه التفاهمات إلى مشروعات يستفيد منها المواطن السوداني؟ فالتعدين يجب أن ينعكس على الاقتصاد وفرص العمل، والاستثمار في البحر الأحمر ينبغي أن يدعم التجارة والصادرات، والتعاون في السكك الحديدية يجب أن يسهم في تخفيض تكلفة النقل وربط مناطق الإنتاج بالموانئ والأسواق.
وفي المقابل، فإن أي شراكة استراتيجية تحتاج إلى اتفاقات واضحة تحفظ حقوق السودان، وتضمن الشفافية والمصلحة الوطنية، وتحقق التوازن بين حقوق المستثمر والدولة.
أما سياسياً، فقد أكد البرهان أمام القمة أن السلام في السودان ينبغي أن يكون سودانياً خالصاً، بعيداً عن الإملاءات والتدخلات الخارجية، مع التطلع إلى حوار سوداني يهيئ للانتقال المدني الديمقراطي.
إن السودان لا يبحث عن علاقات تقوم على الاستقطاب الدولي، ولا عن استبدال محور بآخر، وإنما يحتاج إلى سياسة خارجية متوازنة تفتح أبواب التعاون مع الجميع، وفق ما تقتضيه مصالحه الوطنية.
زيارة موسكو تفتح نافذة جديدة في العلاقات السودانية الروسية، لكن نجاحها الحقيقي لن تحدده الصور والاجتماعات وحدها، بل ما ستسفر عنه من اتفاقات قابلة للتنفيذ، واستثمارات تحرك الاقتصاد، ومشروعات تعيد الحياة إلى البنية التحتية.
فالسودان اليوم يحتاج إلى أصدقاء وشركاء، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى إدارة جيدة لموارده، ورؤية واضحة لمستقبله.
العلاقات القوية لا تُقاس بما يُقال في قاعات الاجتماعات، وإنما بما يتحقق على أرض الواقع.