رسائل البرهان من موسكو .. سلام .. سيادة .. شراكة

رسائل البرهان من موسكو .. سلام .. سيادة .. شراكة

تقرير: الهضيبي يس

التقى السيد رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، أمس بقصر الكرملين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وذلك على هامش مشاركته في أعمال القمة الروسية الأفريقية الثالثة التي اختتمت فعالياتها بموسكو. وتطرق اللقاء لمسار العلاقات الثنائية بين السودان وروسيا وسبل تطويرها في مختلف المجالات السياسية، والاقتصادية والتجارية وصولاً إلى بناء شراكات استراتيجية. حيث قدم الفريق أول الركن البرهان التهاني للرئيس الروسي بمناسبة احتفال البلدين بالذكرى السبعين لإنشاء العلاقات الدبلوماسية بين السودان وروسيا، معرباً عن امتنانه على الدعوة الكريمة للمشاركة في القمة، ونجاح انعقاد دورتها الثالثة. وأكد السيد رئيس مجلس السيادة البرهان تقديره لمواقف روسيا الداعمة للسودان في المحافل الدولية خاصة في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة. مبيناً أن هذه المواقف ساعدت في التصدي لمخططات التدخل في الشؤون الداخلية للسودان والنيل من سيادته. وآخرها توسيع مشروع القرار ١٥٩١ الخاص بحظر تصدير السلاح في جميع السودان، مشيراً إلى التحديات الجسام التي يواجهها السودان جراء حرب العدوان المفروضة عليه من قبل المليشيا المتمردة الإرهابية والتي تجد الدعم السياسي واللوجستي من قوى إقليمية ودولية. إلى ذلك قدم رئيس المجلس السيادي خلال اللقاء، مشروعات لروسيا للتعاون الاقتصادي والتجاري والمالي في مجالات الطاقة، والمعادن، والزراعة والصحة والتعليم والتخطيط الاستراتيجي. مؤكداً ضرورة العمل على تنفيذها والتوقيع على الوثائق الخاصة بهذه المشروعات في التوقيت الذي يناسب الجانب الروسي. وأكد البرهان تطلعه إلى تطوير العلاقات الثنائية مع روسيا وصولاً إلى مستوى العلاقات الاستراتيجية. وقال الرئيس البرهان إن السودان على استعداد لمنح روسيا مواقع للاستثمار في استخراج الذهب والنحاس وبعض المعادن الأخرى. من جانبه، تقدم الرئيس الروسي بالشكر لرئيس مجلس السيادة على مشاركته الشخصية في القمة، والدعم الذي تحظى به بلاده في المحافل الدولية وإتخاذ موقف الحياد فيما يلي الأزمة مع أوكرانيا. وقدم الرئيس بوتين خارطة طريق لتطوير العلاقات مع السودان في مختلف المجالات، مشيراً إلى ضرورة إزالة المعوقات التي تقف أمام تعزيز التعاون بين البلدين. وأشاد بوتين بالتطور الملحوظ في التبادل التجاري بين البلدين في الفترة الماضية، مؤكداً استعداد الشركات الروسية لبناء الشراكات في مجالات الطاقة، الزراعة، المعادن والتعليم. وأعلن بوتين أن بلاده مستعدة لتقديم الدعم للاستقرار في السودان مشيراً إلى أن الصراع أدى إلى نزوح قرابة ١٣ مليون شخص خلال أكثر من ٣ سنوات مبيناً أن بلاده تدعم وقف النزاع الداخلي والعمل على إيقاف الحرب وتحقيق السلام الدائم للسودان. وفي ختام اللقاء، اتفق الجانبان على أهمية تطوير التعاون بين البلدين بما يخدم مصالح الشعبين الصديقين.

 

 

وفي خطابه أمام القمة الروسية الافريقية وضع رئيس مجلس السيادة القمة في سياق التحولات الدولية المتسارعة، معرباً عن ثقته في أن تسهم مخرجاتها في تعزيز التعاون الروسي الأفريقي، وترسيخ مبادئ السيادة المتساوية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ودعم التوجه نحو نظام دولي متعدد الأقطاب.
واستهل البرهان خطابه بتوجيه الشكر إلى روسيا الاتحادية، قيادةً وشعباً، على الدعوة وحفاوة الاستقبال، كما هنأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والحكومة الروسية بنجاح انعقاد الدورة الثالثة للقمة الروسية الأفريقية في موسكو، مشيداً بالمشاركة الرئاسية والحكومية في أعمالها.
واعتبر البرهان أن انعقاد القمة يعكس التطور المضطرد للعلاقات الروسية الأفريقية، ويمثل امتداداً لمخرجات القمتين السابقتين والاجتماعات الوزارية وخطة العمل المشتركة، معرباً عن ثقته في أن تفضي المناقشات إلى نتائج تدعم العدالة والتنمية المتوازنة وتعزز أسس التعاون بين الجانبين.
ولفت إلى أن أهمية هذه الشراكة تتجاوز الجوانب الثنائية، بالنظر إلى المبادئ التي تستند إليها، وفي مقدمتها السيادة المتساوية بين الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وأكد أن التقلبات الدولية والاستقطابات الحادة تفرض العمل من أجل بناء عالم متعدد الأقطاب، بما يتيح للدول توسيع خياراتها وتعزيز استقلالية قراراتها.
وتعكس هذه الرسالة، في مضمونها السياسي، رغبة السودان في تعزيز علاقاته الدولية على أساس المصالح المشتركة واحترام السيادة الوطنية، والاستفادة من الشراكات القائمة في دعم مواقفه داخل المحافل الدولية.
وانتقل رئيس مجلس السيادة إلى العلاقات الثنائية بين الخرطوم وموسكو، مشيراً إلى أن البلدين يحتفلان خلال العام الحالي بمرور سبعين عاماً على إقامة علاقاتهما الدبلوماسية، وهي مناسبة قال إنها تأتي في ظل نمو العلاقات وتطورها في مختلف المجالات، إلى جانب انتظام انعقاد آليات العمل الدبلوماسي المشترك.
وأكد البرهان أن ما تحقق من علاقات قوية ومتينة يشكل قاعدة يمكن البناء عليها للانتقال إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، بما يفتح المجال أمام توسيع التعاون وتعزيز المصالح المشتركة بين البلدين.
وخصّ الرئيس الروسي والحكومة الروسية بالإشادة، مثمناً المواقف الداعمة للسودان منذ اندلاع الحرب عام 2023، ولا سيما ما وصفه بالموقف الروسي الثابت تجاه سيادة السودان وسلامة أراضيه ورفض التدخلات الخارجية.
كما عبّر عن تقدير الحكومة السودانية لما تجده من مؤازرة وتنسيق وسند روسي في المحافل الدولية، في إشارة إلى أهمية العلاقات الخارجية في دعم موقف السودان خلال المرحلة الراهنة.
وتكتسب هذه الإشادة أهمية خاصة في ضوء سعي الخرطوم إلى توسيع علاقاتها الدولية وتطوير شراكاتها السياسية والاقتصادية، بما يعزز قدرتها على التعامل مع تداعيات الحرب والتحديات المرتبطة بها.
وفي تناوله للأوضاع الداخلية، وصف البرهان التحديات التي يواجهها السودان بالجسيمة، عازياً ذلك إلى الحرب التي قال إنها فُرضت على البلاد من قبل مليشيا الدعم السريع المتمردة الإرهابية، بدعم سياسي ولوجستي من قوى إقليمية ودولية.
ورغم هذه التحديات، أكد أن حكومة السودان تنشد السلام وتسعى إلى تحقيق الاستقرار، شريطة أن تكون التسوية بما يحفظ هيبة الدولة وكرامتها ويصون وحدتها ويحقق تطلعات الشعب السوداني.
وشدد البرهان على أن السلام المنشود يجب أن يكون سودانياً خالصاً، بعيداً عن الإملاءات والتدخلات الخارجية، واضعاً بذلك مبدأ استقلال القرار الوطني في صدارة محددات التعامل مع الأزمة.
ويعني هذا الموقف، وفق ما ورد في الخطاب، أن الحكومة السودانية تربط بين إنهاء الحرب والحفاظ على سيادة الدولة، وترفض أن تأتي التسوية على حساب وحدة البلاد أو كرامتها أو حق شعبها في تقرير مستقبله السياسي.
ولم يقتصر خطاب البرهان على الحرب ومتطلبات السلام، بل تطرق أيضاً إلى مستقبل العملية السياسية، مؤكداً عمل الحكومة على التهيئة للانتقال المدني الديمقراطي عبر حوار سوداني سوداني يضع الأسس المستدامة للاستقرار السياسي.
وأوضح أن هذا المسار يقوم على فترة انتقالية تعقبها انتخابات حرة ونزيهة تحت مراقبة إقليمية ودولية، بما يتيح الانتقال إلى مرحلة سياسية تستند إلى الإرادة الشعبية.
وبذلك، جمع الخطاب بين مسارين متلازمين في الرؤية التي طرحها رئيس مجلس السيادة: أولهما إنهاء الحرب وتحقيق السلام مع الحفاظ على السيادة الوطنية، وثانيهما تهيئة الظروف اللازمة للانتقال المدني الديمقراطي عبر الحوار ثم الانتخابات.
وفي ختام كلمته، هنأ البرهان المشاركين بنجاح انعقاد القمة ومخرجاتها، معرباً عن أمله في أن تسهم في إطلاق شراكات بناءة ومستدامة، تقوم على مبادئ راسخة وتدفع العلاقات الروسية الأفريقية إلى آفاق أوسع، كما تمنى لشعوب المنطقة الأمن والسلام والاستقرار والازدهار.
ويرى الخبير في العلاقات الدولية أيوب محمد أن خطاب رئيس مجلس السيادة أمام القمة الروسية الأفريقية جمع بين ثلاثة محاور رئيسية: تأكيد سيادة السودان ورفض التدخلات الخارجية، وتطوير العلاقات الثنائية مع روسيا، وطرح رؤية للانتقال السياسي تقوم على الحوار الوطني والانتخابات.
ويشير أيوب إلى أن أهمية الخطاب تكمن في طرح الموقف السوداني أمام تجمع دولي يضم قيادات أفريقية وروسية، بما يمنح الخرطوم فرصة لعرض رؤيتها بشأن الحرب والسلام، وتوضيح محددات أي تسوية سياسية مقبلة. وأضاف أن تأكيد البرهان على مرور سبعين عاماً على العلاقات السودانية الروسية يعكس توجهاً نحو استثمار العلاقات التاريخية في بناء شراكة استراتيجية أوسع، خصوصاً في ظل حاجة السودان إلى علاقات دولية داعمة لسيادته واستقراره وإعادة بناء مؤسساته.
وفي ما يتعلق بالسلام، لفت الخبير أيوب محمد إلى أن التشديد على سودانية الحل والحوار الوطني والانتخابات يطرح إطاراً سياسياً يتطلب توافقاً داخلياً على أسس المرحلة الانتقالية، إلى جانب تهيئة الظروف التي تسمح بإنهاء الحرب واستعادة الاستقرار.
ويخلص إلى أن ترجمة الرسائل التي حملها الخطاب إلى نتائج عملية ستظل مرتبطة بمدى قدرة الأطراف المعنية على تحويل المواقف السياسية إلى خطوات تدعم السلام وتحافظ على وحدة السودان، وتفتح الطريق أمام انتقال سياسي مستقر يستند إلى إرادة السودانيين.