
إبراهيم شقلاوي يكتب: المتمة .. خطاب الدولة وذاكرة الدم
وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي
المتمة .. خطاب الدولة وذاكرة الدم
بدت الزيارة الخاطفة لمحلية المتمة قرية السناهير في توقيتها ورسائلها كأنها إعلان سياسي مدروس عن ملامح المرحلة المقبلة في السودان ، بعد التحولات العسكرية الكبيرة التي شهدتها البلاد خلال الأشهر الماضية.
المتمة، لدى استقبالها للرئيس البرهان خلال أدائه صلاة العيد، تحولت إلى منصة سياسية حملت رسائل الحرب والدولة والتاريخ، ورسخت ملامح خطاب جديد يسعى إلى إعادة تعريف شكل الدولة السودانية بعد الحرب.
الاستقبال الشعبي الكبير الذي حظي به البرهان في المنطقة حمل دلالة سياسية لافتة، إذ جاء في سياق تلقائي عفوي دون ترتيبات سياسية مسبقة. وتكتسب هذه الجزئية أهميتها من كونها تعكس في لحظات الحرب حاجة الحكومة إلى سند اجتماعي واضح واصطفاف شعبي داعم. ومن ثم فإن الزيارة حملت رسالة في بريد الجميع مفادها أن قطاعات واسعة من السودانيين ترى في المؤسسة العسكرية ضمانة لحماية الدولة واستمرارها.
البرهان إبان الفترات الماضية قام بعدد من الزيارات للولايات، غير أن القراءة السياسية لزيارة المتمة، تحمل أبعاداً لافتة . فالمحلية الواقعة على مقربة من الخرطوم مثلت خلال الحرب ممراً حيوياً ومركز إسناد مهماً للعمليات العسكرية التي انتهت باستعادة العاصمة من مليشيا الدعم السريع.
وطريق “الحقنة” الممتد إلي وادي سيدنا أهم مراكز القيادة العسكرية، تحول إلى شريان لوجستي وأمني بالغ الأهمية في معركة الخرطوم، بجانب تأمين حركة المواطنين إلى المنافذ البرية. ومن هنا فإن ظهور البرهان وسط أهالي المتمة حمل اعترافاً ضمنياً بالدور الذي لعبته هذه المنطقة في تثبيت العمق الاستراتيجي للدولة السودانية خلال أخطر مراحل الحرب.
لكن أهمية الخطاب لا تتوقف عند البعد العسكري، بل تتجاوزه إلى ما يمكن وصفه بإعادة التموضع السياسي للحكومة. ففي خطابه للأمة السودانية بمناسبة عيد الأضحى ، تحدث البرهان بوضوح عن قرب إطلاق “حوار سياسي شامل” يتم داخل السودان ويشارك فيه “أصحاب الوجعة”، وهي عبارة سودانية جامعة مانعة ذات دلالة عميقة تشير إلى القوى الاجتماعية والوطنية التي دفعت الثمن الحقيقي للحرب، لا تلك التي تدير السياسة من العواصم أو تتعامل مع الأزمة السودانية بوصفها ملفاً للتفاوض الإقليمي.
هذه العبارة تكشف أيضاً عن تحول واضح في طبيعة الخطاب السياسي الرسمي. فالحرب التي بدأت كمواجهة عسكرية مع تمرد مسلح طامع، تحولت اليوم إلى محاولة إعادة إنتاج الشرعية السياسية على أسس جديدة.
والبرهان هنا لا يتحدث عن حوار تقليدي لاستعادة الامن وتحقيق السلام، وإنما يلمح إلى تأسيس معادلة حكم مختلفة كلياً، تُبنى على نتائج الحرب، وعلى إعادة تعريف القوى المقبولة داخل المشهد السياسي السوداني.
ولعل أخطر ما ورد في الخطاب هو الرفض الصريح لما سماه “حوارات العواصم الخارجية”، في إشارة مباشرة إلى المسارات التفاوضية التي قادتها أطراف إقليمية ودولية خلال الفترة الماضية. وهذا الموقف يحمل أبعاداً في غاية الأهمية، لأنه يعكس توجهاً داخل الدولة السودانية نحو استعادة القرار الوطني من النفوذ الخارجي، أو بمعني اخر سحب البساط من القوى الإقليمية والدولية التي أصبحت جزءًا من الأزمة السودانية.
هنا تكتسب المتمة بُعداً يتجاوز المكان إلى الذاكرة والتاريخ. فهذه المدينة ليست مجرد ثقل اجتماعي، بل جرحاً قديماً في الوعي الجمعي ارتبط بـ”كتلة المتمة” عام 1897م، حين تحولت خلافات الدولة المهدية إلى واحدة من أبشع المجازر في تاريخ السودان. لذلك ومع ما شهدته الخرطوم والجزيرة والجنينة من قتل ونهب وتهجير على يد ميليشيا الدعم السريع، بات كثير من السودانيين ينظرون بقلق كبير إلى الخطابات التي تتحدث عن “الانتقام من دولة 56” أو تصفية ما يوصف بالمركز التاريخي للسلطة.
وفقًا لذلك، تتعزز في الوعي الشعبي قراءة الحرب باعتبارها صراعاً تتداخل فيه المصالح والثروة والجغرافيا، بما يجعل آثاره تتجاوز الميدان العسكري إلى تهديد النسيج الاجتماعي . لذلك تُقرأ الخطابات التي تستدعي المظالم التاريخية باعتبارها محاولة لإعادة إنتاج منطق الانتقام الجماعي، بما يحمله ذلك من مخاطر تفكيك الدولة السودانية وإضعاف وحدتها.
كما أن حديث الرئيس البرهان عن استبعاد “الذين تلطخت أيديهم بدماء السودانيين” من الحوار المرتقب، يؤكد أن السلطة ربما تتجه نحو بناء تحالف سياسي جديد يقوم على الفرز الذي أنتجته الحرب، لا على التوازنات القديمة التي أعقبت سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير.
وهذا يعني، بحسب #وجه_الحقيقة، أن السودان اليوم يقف أمام مرحلة سياسية جديدة تنتقل فيها الدولة من “الشراكة القسرية” التي قادت إلى الحرب، نحو “إعادة التأسيس” التي تفتح الطريق أمام السلام والاستقرار. غير أن نجاح هذه المرحلة لا يرتبط بإطلاق الحوار وحده، بل بقدرة الدولة على تحويل الانتصار إلى مشروع وطني يعيد بناء الثقة بين السودانيين، ويؤسس لدولة تقوم على المشاركة الوطنية بعيداً عن منطق المحاصصة.
دمتم بخير وعافية.
الجمعة 29 مايو 2026 م Shglawi55@gmail.com