عامر باشاب يكتب: مرّ عام وكأنه بضع أيام .. عمر العشي .. روعة الخاتمة وعظمة اللقاء

قُصر الكلام

عامر باشاب

مرّ عام وكأنه بضع أيام .. عمر العشي .. روعة الخاتمة وعظمة اللقاء

مرّ عام وكأنه بضع أيام مرت على رحيل فقيد البلاد وفقيد الإنسانية وفقيد الثقافة والفنون والرفاهية والبهجة وفقيد قطاع الأعمال، فقيد المنطقة الصناعية الخرطوم وفقيد العاصمة الخرطوم وفقيد (الخراتيم التلاتة.. 1، 2، 3) رجل الأعمال ورجل البر والإحسان ورجل الثقافة واللطافة والظرافة
الصديق الورع “عمر عبد الرحيم العشي”.
وإذا كان الكل يتحدثون الآن عن ذكرى سنوية، فإن أمثال أخو الأخوان الصنديد “عمر العشي” ذكراه تفرض نفسها في كل حين بما ترك من أثر وتأثير في دنيا الناس عبر إسهاماته ومبادراته الإنسانية العظيمة، فقد عاش “عمر” من العمر سنين نموذج يحتذى به في إدارة التنمية المجتمعية، عاش حياته بطولها وعرضها يبذل وقته وماله وصحته وراحته لأجل راحة الآخرين، وظل يعمل ليل ونهار لأجل توفير الخدمات الأساسية التي يحتاجها سكان أحياء محلية الخرطوم، خاصة تلك التي ترتبط بمعاش الناس، كما عرف “عمر العشي” بتفانيه وهمته العالية في كل مجالات العمل الخيري، وكان يحرص على إنجاز أي عمل من هذا النوع بالكفاءة والجودة، ومن الأشياء التي كان يداريها من أعين الناس جهوده الكبيرة في دعم الأيتام وتفقد أحوال الأسر المتعففة وقضاء حوائجهم بكل وفاء واحتفاء، ولكن في الخفاء، أما في القطاع الثقافي كان صاحب مبادرات نوعية، كان قريبًا من المبدعين بكل فئاتهم، وكانت قمة سعادته في إسعاد وإبهاج رواد المنتديات التي يتولى أمرها أو تلك التي كان يشارك في إدارتها، وكان دائمًا ما يفاجئك بليالٍ مدهشة ومنعشة.
وفي حوش العائلة (آل عشي) والعائلات المحيطة كان هو (حلال العقد) والدينمو المحرك لكل صغيرة وكبيرة، بل كان هو المنسق العام لكل المناسبات العائلية الفرايحية والحزاينية، وكان مهمومًا بتفعيل وتوصيل صلة الرحم وتوسيع دائرة المعارف وخلق علاقات متشابكة ما بين الأهل والأصهار والأصدقاء والجيران.
آخر الكلام بس والسلام:
الحديث عن الراحل المقيم “عمر العشي” يحتاج لمساحات، وأذكر أنني أول ما عرفته كان عن طريق أسرة نادي الخرطوم العائلي، وبالتحديد عن طريق راعي المبدعين ونصير الضعفاء الصديق الراحل المقيم “صلاح محمد عثمان يس” والصديق معتز أحمد المصطفى، ثم توطدت علاقتي به أكثر عبر الصديق المشترك الإعلامي المبدع الباحث الرقم “عوض أحمدان”، وبرفقته دخلت إلى قلوب آل العشي قبل أن أدخل إلى دارهم العامرة، وقبل أن أستريح في (صالون العشي)، وما أدراك ما صالون العشي هذا (الديوان الجامع العجيب) كأحد أبرز الملتقيات الاجتماعية والثقافية والفكرية والصوفية الخرطومية يحتاج لوحده
إلى مقالة كاملة بالتفصيل والتأصيل وتوثيق صحفي وتلفزيوني. نعم رحل “عمر العشي” عن دنيانا الفانية، ولكن ذكراه العطرة ستبقى خالدة في قلوبنا إلى الأبد. رحل بجسده الطاهر، لكن روحه الطيبة ومواقفه النبيلة وقفشاته وطرائفه وممازحاته المرحة لن تفارقنا ما حيينا.
اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله بقدر ما أكرم أصحاب الحاجات، وأسعده وأفرحه بقدر ما أسعد وأفرح المحرومين، وأبهجه بقدر ما أبهجنا
وأبهج أهل الثقافة، ووسع مدخله، واجعله في زمرة الصالحين بجوار الحبيب المصطفى على الروضة الشريفة بالفردوس الأعلى، ويكفيه نبلًا وفخرًا بأنه قدم إليك يا أكرم الأكرمين وهو ذاهب إلى أداء صلاة العشاء في وقتها، فكان
وقت لقائه بك، وما أروعها من خاتمة، وما أعظمه من لقاء، في جنات ونهر في مقعد صدق عندك يا مليك يا مقتدر.
اللهم اجمعنا به وبكل الأحباب.