حسن بشير يكتب: إميل دوركايم والدولة السودانية .. الحاجة إلى بناء التضامن الاجتماعي

ضربة جزاء

حسن بشير

إميل دوركايم والدولة السودانية .. الحاجة إلى بناء التضامن الاجتماعي

في ظل التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه السودان، تبرز الحاجة إلى الاستفادة من أفكار كبار علماء الاجتماع لفهم واقع الدولة والمجتمع، ومن أبرز هؤلاء العالم الفرنسي إميل دوركايم، الذي يعد أحد مؤسسي علم الاجتماع الحديث. وقد قدم دوركايم رؤية عميقة لدور الدولة في بناء المجتمع وتحقيق الاستقرار، وهي رؤية يمكن أن تقدم الكثير للسودان في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه.

يرى دوركايم أن الدولة ليست مجرد سلطة تمارس الحكم أو جهازًا يفرض القوانين، وإنما هي مؤسسة اجتماعية وأخلاقية تعمل على حماية المجتمع وتنظيم العلاقات بين أفراده. فالدولة الناجحة في نظره هي التي تعزز التضامن الاجتماعي وتعمل على توحيد المواطنين حول قيم ومبادئ مشتركة، بغض النظر عن اختلافاتهم العرقية أو الثقافية أو الجغرافية.

والسودان من الدول التي تتميز بتنوع كبير في القبائل والثقافات والعادات والتقاليد، وهو تنوع يمثل مصدر قوة إذا أُحسن استثماره، وقد يتحول إلى مصدر صراع إذا غابت المؤسسات القادرة على إدارة هذا التنوع. ومن هنا تبرز أهمية أفكار دوركايم التي تؤكد أن الدولة مسؤولة عن بناء شعور الانتماء الوطني وتعزيز الروابط الاجتماعية بين المواطنين.

كما كان دوركايم يؤمن بأن التعليم من أهم أدوات الدولة في بناء المجتمع. فالتعليم لا يقتصر على نقل المعرفة فحسب، بل يساهم في غرس القيم والأخلاق واحترام القانون والشعور بالمسؤولية تجاه الوطن. ولذلك فإن أي مشروع لبناء السودان لا بد أن يضع التعليم في مقدمة الأولويات، باعتباره الوسيلة الأكثر فعالية لصناعة الأجيال القادرة على قيادة المستقبل.

ومن الأفكار المهمة عند دوركايم أن العدالة الاجتماعية تمثل أساس الاستقرار السياسي والاجتماعي. فعندما يشعر المواطن بالإنصاف وتكافؤ الفرص، يزداد ارتباطه بالدولة وثقته في مؤسساتها. أما عندما تنتشر الفوارق الكبيرة في الخدمات والتنمية بين المناطق المختلفة، فإن ذلك يفتح الباب أمام الاحتقان والتوتر وفقدان الثقة.

ولعل من أبرز التحديات التي تواجه السودان اليوم الحاجة إلى ترسيخ مفهوم دولة المؤسسات. فالدولة القوية لا تقوم على الأفراد مهما كانت قدراتهم، وإنما تقوم على مؤسسات مستقرة تعمل وفق القانون وتستمر في أداء مهامها بغض النظر عن تغير الحكومات. وهذا ما كان يؤكد عليه دوركايم عندما ربط استقرار المجتمع بوجود مؤسسات فاعلة قادرة على تنظيم الحياة العامة.

كما أن دور الدولة لا يقتصر على الجوانب الأمنية أو الاقتصادية فقط، بل يمتد إلى حماية النسيج الاجتماعي ودعم مبادرات التعايش السلمي وإصلاح ذات البين وتشجيع العمل الطوعي والخيري. فالمجتمعات التي تمتلك روح التعاون والتكافل تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات ومواجهة التحديات.

إن السودان اليوم بحاجة إلى مشروع وطني جامع يعزز قيم المواطنة والعدالة والتضامن الاجتماعي. وهي قيم تتوافق بصورة كبيرة مع أفكار إميل دوركايم الذي رأى أن قوة الدولة تنبع من قوة المجتمع وتماسكه. فكلما ازدادت الروابط الاجتماعية بين المواطنين، ازدادت قدرة الدولة على تحقيق الاستقرار والتنمية.

وفي الختام، فإن قراءة أفكار دوركايم في سياق الواقع السوداني تكشف أن بناء الدولة لا يقتصر على إنشاء الطرق والمشروعات والخدمات، رغم أهميتها، بل يبدأ ببناء الإنسان وتعزيز الثقة بين مكونات المجتمع وترسيخ قيم العدالة والتضامن. فالدولة القوية هي التي تجعل مواطنيها يشعرون بأنهم شركاء في الوطن والمصير، وأن مستقبلهم مرتبط بنجاح مجتمعهم ووحدته واستقراره.