عامر باشاب يكتب: إهمال الوقف وتعطيل (شرط الواقف)

قُصر الكلام

عامر باشاب

إهمال الوقف وتعطيل (شرط الواقف)

حدثني أحد من تبقوا من أقطاب الصوفية الإشراف بالسودان، وأبرز مشايخنا الأنقياء والأتقياء بولاية الجزيرة، أبونا الشيخ أحمد ود البحر قائلاً: إن أكثر ما يحزنه في الآونة الأخيرة هو الإهمال العام الذي ظلت تشهده (الأوقاف) وعدم الاهتمام بها وضياع حقها ومستحقها في السودان.
وعندما تأملت وتعمقت في كلام أبونا الشيخ “ود البحر”، وقمت بعملية حصر مبدئي لكم العقارات الوقفية الكبيرة والشهيرة فقط في عواصم ولايات السودان الوسطية مثل مدينة مدني وسنار وكوستي والأبيض، ومن ثم الخرطوم، وجدت أن هناك كمًا هائلًا من العقارات الوقفية التي تم وقفها في الزمن الجميل على يد مشاهير ذلك الزمان، رجال أعمال وتجار لهم وزنهم الاقتصادي ومكانتهم الاجتماعية، وليس هذا وحسب، بل كانوا على تقوى من الله ومتفقهين في الدين، فزادهم الله بسطةً في المال الحلال والذرية الصالحة، رجال خلدهم التاريخ لأنهم ساروا على نهج الصحابة في وقف أملاكهم لمن يحتاجونها.
فأوقفوا خير ما يملكون على نهج صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كصدقة جارية لا تورث ولا تباع ولا تهدى ولا توهب، بل يوزع ريعها أو عائدها لمن اشترط الواقف أن يكون لهم فيها (حق معلوم) من كل أصحاب الحاجات.
وهنا نذكر نماذج من أشهر رجال البر والإحسان في مجال الأوقاف في مدينة مدني: الشيخ محمد مدني السني، والشيخ محمد عوض الكريم الخواض، والحاج عبد القوي رمضان الشهير بـ (الفرنساوي). وفي مدينة الأبيض: الشيخ إسماعيل الولي، والشيخ محمد الحاج عثمان الشهير بـ (حمودة كشولا)، والحاج سليمان دقق.
وفي مدينة سنار: الشيخ عثمان علي الحاج، والشيخ عثمان حميدة، وآل قريش، وآل الجنيد الجاك. وفي الخرطوم يبرز أمير المحسنين عبد المنعم محمد،
والبغدادي، وشروني، والشيخ مصطفى الأمين، ومن النساء، مع أنهن كثر، نذكر فقط “بت بيلا”، والقائمة تطول.
آخر الكلام بس والسلام:
من ذكرناهم من رجال الأوقاف يُعتبرون مثالًا لمن تركوا إرثًا ضخمًا من العقارات والاستثمارات الوقفية ذات العائد الوفير، ولكن كل مدن السودان الكبيرة وحتى الصغيرة تزخر بشخصيات تاريخية من الرجال والنساء من أهل الخير والبر والإحسان في مجال الأوقاف، ونحسبهم جميعًا نساءً ورجالًا صدقوا فيما عاهدوا الله عليه، وغالبيتهم العظمى قضوا نحبهم.
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل وزارة الأوقاف الاتحادية والإدارات الولائية التي تتولى أمر إدارة هذه الأوقاف، أمام الله وأمام الدولة، هل صدقت فيما عاهدت الله عليه فيما يخص إدارة مال الوقف بما نص عليه شرع الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم؟ وهل هناك خطط حقيقية لتطوير وتنمية العقارات والأصول الوقفية للحفاظ على قيمتها؟ وهل نُظار الوقف أو المشرفون على هذه العقارات الوقفية المختلفة يتابعون عملية تنفيذ (شرط أو شروط الواقفين)؟ بمعنى أقرب: هل أموال الوقف، والتي تعتبر من (مال الله)، أي مال تم إنفاقه والتصدق به في سبيل الله، فهل هذا المال يذهب لمستحقيه الذين حددهم الواقفون؟ فإن كان ذلك كذلك فالحمد لله، وإن لم يكن ذلك كذلك (فأذنوا بحرب من الله ورسوله) لأنه وبكل تأكيد من بين هؤلاء المشروط الوقف لهم (يتامى)، وإن كان يتيمًا واحدًا لم يصله حقه من مال وقف، فيا ويلكم وسواد ليلكم.
آخر الآخر:
الرسالة الأخيرة من (قُصر الكلام) موجهة للسيد رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وللسيد النائب الجنرال مالك عقار إير، وللسيد رئيس الوزراء بروف كامل إدريس، ولوزير الأوقاف الاتحادي، وإلى جميع ولاة الولايات ووزراء الشؤون الدينية في الولايات، وأذكرهم فقط بالصحابي الجليل والخليفة الراشد سيدنا عمر بن الخطاب الذي خاف من تعثر بغلة قد يُسأل عنها يوم القيامة حينما ردد قولته التي تهز الجبال وليس فقط الضمائر: (لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها: لِمَ لم تُسوَّ لها الطريق يا عمر)، فما بالكم يا هؤلاء من أن يُحرم يتيم (مظلوم)
من حقه المعلوم. والله العظيم، خشيت لو لم أكتب هذه التنبيهات أن يحاسبني الله يوم القيامة على تقصيري إعلاميًا في هذا الشأن العظيم. (ألا هل بلغت، اللهم فاشهد).