حسين خوجلي يكتب: سطور من دفتر الأحلام المنسية
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
سطور ممن دفتر الأحلام المنسية
1
كمية الأسلحة والذخائر التي وفرها السفاح حميدتي بجبرة الشيخ أذهلت الجميع، حتى صاح أحد ظرفاء المنطقة متعجباً: هذه دقلوفان وليست كردفان.
2
إذا كان العُطْل فني في سد مروي كان يمكن تلافيه بمخزون من الإسبيرات المتوقع إستهلاكها، أو حدث لقلة خبرة فنية أو لعدم كفاءة أو لفساد أو لسوء إدارة فإن هذه مصيبة، أما إذا كان السبب ضعف في الاستشرف الإداري والتوقعات من المخزون فإن المصيبة أكبر.
3
لهذه الحكومة ثلاثة مهام فقط يسائلها عنها رب العزة والشعب:
1_ دعم الجيش.
2_ دعم المياه.
3_ دعم الكهرباء.
أما فوق ذلك ودونه فإن الشعب صابر وصادم ومحتسب، فإذا فشلت حكومة الأمل في توفير هذه الثلاثية بحدها الأدنى فإن عِقاب الاستقلالة يصبح الأهون وبديلهم (المبدئيون) الذين يعتبرون الوزارات عبادة وتكليف لا تشريف.
4
إذا ضرب الفساد القاضي والشرطي والمعلم والطبيب فابحثوا لكم عن وطن فالذين يسمحون بأن يبقى هؤلاء بينهم لا يمتلكون وطناً ،وإنما يمتلكون (محض جغرافيا).
5
قيل أن المخدرات في طول السودان وعرضه أصبح الحصول عليها أسهل من إلقاء التحية، وأصبحت الرمية المتداولة في جلسات التعاطي أبيات المخدرين الشهيرة:
يا الخَدره دُخانِك عَتَم
يِتجَّلي في الجو كالخَتَم
ما خاتِي صحبك كان كَتَم
فوق راسو دلوكة وشَتَم
فإذا كان هؤلاء الشباب الذين يمارسون العطالة والسرقة (موهبة) فإنهم لن يفيقوا، وكل واحد منهم فوق رأسه ( دلوكة وشَتَم).
6
الساحات السودانية بالداخل والخارج ممتلئة بالجميلات والحسناوات من السودانيات العازبات اللائي لولا الخجل والحياء السوداني الجميل لخرجن في تظاهرات (دايرن عِرسان يا شِبان) وهي حالة أسقطت كل الأحلام في أغنيات البنات.
يا الماشي لي باريس
جيب لي معاك عريس
شرطاً يكون لِبيس
ومن هيئة التدريس
المطلوب الآن ولد (فحل) وليه شنب وممتلكاته في الدنيا التزامه و(عنقريب مَخَرته وقٌلَه) ولقيمات تُقيم صلبه وصلبها، أما الأفراح الحقيقية فهي مخبوءة. لكن للأسف أصبح شباب اليوم لا يحركه هذا الجمال ولا هذا الدلال ولا هذا القَدّ الممشوق ولا هذه التنازلات في طلب الدنيا، فإن التي لا ترضى بخاتم من حديد سوف ترضى ببضع آيات من القرآن، وهذا هو المنهج الذي بَنَى عليه الآباء والأجداد والزعامات المؤسسة للسودان، أما الفارق الوحيد فإن الفحولة والنخوة في الشيب والشباب قديماً كانت طبعاً غير مجلوب.
ألم تستمعوا للشاعر الشائب (الممكون وصابر) وهو يرى أمامه قافلة من أسراب الحِسان وصاح في شوق وولع موثق
مالكن (شيبنا) بدورن تخربن كُبرو
ومالو (قلبنا) عودتنو لي قِل صبرو
نسيتننا الموت والشبر في قبرو
خليتننا الكعب النَسِي ما نخبرو
عزيزي القارئ لو جاز لنا بعض التحريف في الأبيات تحريضاً للصبيان على الصبايا لقٌلنا:
مالو (شبابنا) بدورن تخربن عمرو
7
حيث ما يممت وجهك في كردفان ودارفور وجدت سماسرة الموت يشترون صبيان القبائل بأتفه الأثمان زاداً للمعركة الخاسرة، حيث امتلأت كل البوادي والصحارى والفرقان وأطراف المدن باليتامى والأرامل والمسنين، وملت الأجداث المقابر وكل البقاع الطيبة في كردفان ودارفور تلك المناطق التي كان تعج بالكرم والفروسية والالتزام أصحبت للأسف مستودعاً للغدر والإبادة واللصوصية.
وقد أصبح الشعار للموتى وأباء الموتى صُراخ المعلمة القديمة التي قامت بالتدريس في كل مدن كردفان الغرة ودارفور الحُرة (كُر علي الغرابة ما كِملو).
8
أرجو من كل قلبي أن يستفيد أهل العاصمة وكل المدن الكبرى من الإظلام التام الذي يعيشونه قسراً، أن ينتفعوا من فضيلة التأمل فسوف يكتشفون أن فوقهم سماء زرقاء تجّملت بزينة الكواكب، وفوق ذلك سوف يتعلمون أن يرفعوا رؤوسهم ويشُدوا أبصارهم صوب البعيد، ومثل هذا النظر يعلم الجماهير الإيمان بالغيب تمهيداً للإيمان بالمشهود أو بالشاهد.
9
عذراً لسيدنا الشهيد علي بن أبي طالب صاحب المقولة السياسية والاجتماعية والاقتصادية الأشهر (لو كان الفقر رجلاً لقتلته) نعم عذراً لأبي تراب ففي زماننا هذا أصبح الفقر رجلاً وقتلنا عن بكرة أبينا.
عزيزي البرهان ليس سوق أم درمان وليس شارع النيل وليس التجوال في الشوراع، فالبرغم من بساطتها ورمزيتها وتأثيرها على الناس إلا أن زيارة مباغتة لسد مروي والتمترس حول العطل الفني حتى إعادة التيار الكهربائي، هو أجدى عند الله وعند الناس ومثل هذه الأفعال هي من أشراف الامور التي تجعل الزعيم كبيراً في عيون شعبه مثل ما كنت كبيراً عندما زرت خطوط النار في بارا والخرطوم مشتعلة وقد قال المتنبي قديماً:
عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ
وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ
وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها
وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ
10
قال الامام محمد عبدو قديماً:
زرت باريس فوجدت المسلمين ولم أجد الإسلام وعندما عدت للشرق وجدت الإسلام ولم أجد المسلمين ولو استبدلنا قراءتها بعيون سمراء لعبارة أحد العائدين (عدنا لبلادنا) ولم نجد السودان ولم نجد السودانيين.
الله لا بارك في الدعامة المجرمين.
11
رغم الرحيل المُرّ فما زالت كلمات الكابلي وأغنياته وشعاراته الدافئة بمستقبل الجمال صادحة في قلوب العشاق والصالحين بطاقة تصلح لبناء كل عُش جديد
حراسك يا حالم الحياء و الفضـيلة
والوعي المبكر والعاطفة النبيلة
وأمانيك عذاري تتجمع في ليله
فيها زغاريد وحنة فيها بخور وشيلة
فبها الناس تبارك الحب والحَلِيلَة
فيها الناس تغني للزين والعديلة
والحالم في قربو زي راس القبيلة
إني أخشى بان يكون أجمل ما كتبنا فصيحاً وعامة وأجمل ما شدونا وأجمل ما أنشدنا غناء ونشيد وأماديح، قد مضي وأظلنا زمان الاجترار والتقليد فعوالم الاستهلاك ليست في السلع وحدها ولكنها للأسف في الأدب والمعاني والمضامين.
12
أبو ماضي سقى الطل قبره، فكل ما رأيت هذه الشلة الغادرة من أبناء بلادنا العملاء والخونة الذين صاروا أفواهاً لأوامر أسيادهم واعداء بلادنا وخناجراً غادرة في قلوب شعبنا لقاء بضع دراهم وأوراق خضراء، ممارسات جعلتني كلما ظهر سياسي مدعي أو خطيب عامة جاهل أو عميل رخيص ضد قيم شعبه وتاريخه، تحسست مسدسي وبصقت في وجه السياسية السودانية التي أنجبت سفاحاً أمثال هؤلاء، وأطلت أبيات هذا المهجري الشفيف صاحب الأشواق والأشواك وفلسفة الحياة.
وَاِهجُر أَحاديثَ السِياسَةِ وَالأُلى
يَتَعَلَّقونَ بِحَبلِ كُلِّ سِياسي
إِنّي نَبَذتُ ثِمارَها مُذ ذُقتُها
وَوَجَدتُ طَعمَ الغَدرِ في أَدراسِ
وَغَسَلتُ مِنها راحَتي فَغَسَلتُها
مِن سائِرِ الأَوضارِ وَالأَدناسِ
وَتَرَكتُها لِاِثنَينِ غُرٍّ ساذَجٍ
وَمُشَعوِذٍ كَذُبذُبٍ دَسّاسِ
يَرضى لِمَوطِنِهِ يَصيرُ مُواطِناً
وَتَصيرُ أُمَّتُهُ إِلى أَجناسِ
وَيَبيعُها بِدَراهِمَ مَعدودَةٍ
وَلَوَ اِنَّها جاءَت مِنَ الخَنّاسِ
ما لِلمُنافِقِ مِن ضَميرٍ رادِعٍ
أَيُّ الضَميرِ لِحَيَّةِ الأَجراسِ
وَلَرُبَّ قائِلَةٍ تُعاتُبُني عَلى
صَمتي وَبَعضُ القَولِ حَزُّ مَواسي
إِثنانِ ما لاقَيتُ أَقسى مِنهُما
صَمتُ الدُجى وَالشاعِرِ الحَسّاسِ
فَأَجَبتُها أَقسى وَأَهوَلُ مِنهُما
في مَسمَعي هَذا العِتابِ القَسي
لَم تَعلَمي وَالخَيرُ أَن لا تَعلَمي
كَم في السُكوتِ فَواجِعاً وَمَآسي
قالَت أَظُنُّكَ قَد نَسيتَ فَقُلتُ لا
ما كُنتُ بِالناسي وَلا المُتَناسي
لَكِنَّ جُرحاً كُلَّما عالَجتَهُ
غَمَرَ القُنوطَ جَوارِحي وَحَواسي
وَلَوَ اِنَّهُ في الرَأسِ كُنتُ ضَمَدتُهُ
لَكِنَّهُ في القَلبِ لا في الراسِ
إِنَّ الأُلى قَد كُنتُ أَرمي دونَهُم
غَلّوا يَدَيَّ وَحَطَّموا أَقواسي
وَاِستَبدَلوا سَيفي الجِرازَ بِأَسيُفٍ
خُشبٍ وَباعوا عَسجَدي بِنُحاسِ
