
أبوذر عوض الكريم أحمد يكتب: أم بارونة.. من غابة إلى مكب؟
شموخ وطن
أبوذر عوض الكريم أحمد
أم بارونة.. من غابة إلى مكب؟
في ود مدني أماكن لا ينبغي أن تُقاس بمتر الأرض ولا بسعر العقار. بعضها ارتبط بحياة المدينة وأهلها، وصار جزءاً من تفاصيلها التي تُعرف من حكايات الناس وذكريات أجيال كاملة. وغابة أم بارونة واحدة من تلك الأماكن التي ارتبط اسمها في وجدان المدينة بالخضرة والراحة والرحلات وذكريات الطفولة.
كانت الغابة متنفساً أخضر في فضاء عمراني يزداد ازدحاماً وضيقاً، لكن الصورة التي تُتداول اليوم عن المكان تفتح باباً لا يتعلق بالنظافة وحدها، وإنما بشيء أكبر بكثير: كيف تتحول ذاكرة مدينة إلى مكب للنفايات؟.
وأم بارونة لم تكن غابة لأهل ود مدني وحدهم، بل كانت متنفساً لأهل قرى الجزيرة الخضراء، ومقصداً للرحلات المدرسية، وموعداً للرحلات الأسرية، ومكاناً تجتمع فيه شِلَل الأصدقاء بعيداً عن ضجيج المدينة.
ولأم بارونة حكاية خاصة مع رأس السنة. كانت تلك الأيام تعرف طريقها إليها جيداً؛ الحافلات تأتي محملة بالطلاب، والأسر تحمل زادها، وشِلَل الأصدقاء تأتي بما يكفي من الشاي والضحك والحكايات. كانت الغابة تمتلئ بالناس، لا بالنفايات، وكان ازدحامها في تلك المناسبات ازدحام حياة وفرح.
كان المشهد بسيطاً وجميلاً: شجرة تظلل أسرة، وطلاب يركضون في المساحات الخضراء، وأصدقاء يتقاسمون الشاي والضحكات، وأمهات يراقبن الأطفال، وآباء يبحثون عن مكان مناسب للجلوس. لم تكن أم بارونة تحتاج إلى إعلان سياحي؛ الناس كانوا يعرفونها، ويعرفون طريقها، ويعرفون لماذا يذهبون إليها.
أما اليوم، فلو عاد أحد أبناء ود مدني من رحلة اغتراب طويلة وسأل عن أم بارونة، أخشى أن يحتاج إلى دليل سياحي لا ليعرف كيف يصل إليها، وإنما ليتأكد أنها ما زالت غابة!.
وهنا تكمن المفارقة الموجعة: المكان الذي كان الناس يذهبون إليه بحثاً عن الهواء والخضرة، قد يجد الزائر فيه اليوم ما يجعله يبحث عن مكان آخر هرباً من النفايات.
هذه ليست حكاية كيس بلاستيك مرمي هنا أو قارورة هناك. المشكلة في عقل يسمح بتراكم الإهمال حتى يصبح القبح جزءاً من المشهد، ثم نتعامل معه كأنه أمر طبيعي.
والأغرب أن الإنسان السوداني يستطيع أن يتحدث ساعتين عن حب الوطن، ثم يرمي زجاجة الماء من نافذة السيارة في الطريق إلى البيت!.
نرفع الشعارات الكبيرة، ثم نهزم الوطن بكيس نفايات صغير.
ولعل أكثر ما يلفت النظر في ود مدني تلك المفارقة التي تستحق أن تُكتب بحبر أسود على واجهة المدينة: عند مدخل ود مدني تستقبلك لافتة بارزة تقول: «ابتسم… أنت في ود مدني».
جميلة هي العبارة، ولا اعتراض على الابتسامة، لكن المواطن الذي يقرأها ثم يرى بعض مشاهد المدينة قد يسأل، وبشيء من السخرية السودانية التي لا تخلو من وجع: نبتسم طبعاً، لكن أين الجمال الذي وُعدنا به؟ وإذا كانت أم بارونة، إحدى ذاكرات ود مدني وخضرتها، قد أصبحت مكباً للنفايات، فهل المطلوب أن نبتسم للنفايات أيضاً؟.
اللافتة تقول: «ابتسم أنت في ود مدني»، والغابة تقول شيئاً آخر لا يحتاج إلى لافتة: أنقذوني حتى تستحقوا الابتسامة.
فالمدينة لا تصبح جميلة باللافتات وحدها، كما أن الابتسامة لا تستطيع أن تخفي رائحة النفايات. والزائر لا يقرأ اللافتة فقط؛ يقرأ الشوارع والأشجار والميادين والنظافة والنظام، ويقرأ في كل ذلك مقدار اهتمام المدينة بنفسها.
وهنا تصبح أم بارونة أكثر من غابة؛ تصبح اختباراً صغيراً لفكرة الدولة نفسها.
فالدولة ليست فقط جيشاً ووزارة وميزانية وقرارات. الدولة أيضاً شارع نظيف، وحديقة محفوظة، وميدان مصان، وغابة لا تتحول إلى مكب، وعامل نظافة يجد الأدوات والاحترام والميزانية التي تمكنه من أداء عمله.
فالهيبة لا تسقط دائماً بصوت المدافع؛ أحياناً تتآكل في مكان مهمل، وفي حاوية غائبة، وفي شارع تتراكم فيه النفايات حتى يعتاد الناس منظرها.
وهذه واحدة من مفارقاتنا السودانية: نغضب عندما تتسخ صورة الوطن في الخارج، ولا نغضب بالقدر نفسه عندما تتسخ صورته أمام أعيننا في الداخل.
نريد مدينة جميلة، لكننا لا نريد دائماً أن ندفع ثمن جمالها من سلوكنا. نريد الحدائق، لكن بعضنا يتعامل مع الحديقة وكأنها ملكية مجهولة لا صاحب لها. نريد المسؤول الذي ينظف، وننسى المواطن الذي لا يوسخ.
ثم نعود جميعاً للحديث عن «الظروف». والظروف، في كثير من الأحيان، تصبح شماعة واسعة نعلق عليها أخطاءنا الصغيرة حتى تكبر وتصير كارثة.
ليس معقولاً أن نتحدث عن إعادة إعمار السودان، ثم نترك مدننا تتآكل أمام أعيننا. وإعادة الإعمار ليست إسمنتاً وحديداً فقط، ولا جسوراً ومبانٍ وطرقاً جديدة فحسب؛ إنها أيضاً أن نستعيد للمدينة روحها.
أن تعود المساحات الخضراء، وأن يجد الطفل مكاناً آمناً للعب، وأن تستطيع الأسرة الخروج في نزهة دون البحث عن مكان نظيف خارج المدينة، وأن تعود الرحلات المدرسية إلى معناها الجميل.
فالمدن الحية لا تُعرف فقط بارتفاع مبانيها، وإنما بما تتركه من مساحة للإنسان والشجرة والذاكرة.
والجزيرة أرض الخضرة والماء والزراعة، وأهلها يعرفون قيمة الشجرة والظل والمكان المفتوح. ولذلك تبدو أم بارونة كأنها قطعة من روح الجزيرة داخل ود مدني؛ مساحة خضراء تختزن صور أجيال تركت في المكان جزءاً من طفولتها.
فهل يليق بكل ذلك أن تنتهي أم بارونة إلى أكوام النفايات؟.
المواطن مسؤول، بلا شك. لكن البلدية مسؤولة، والولاية مسؤولة، والجهات المختصة مسؤولة، والمجتمع مسؤول. المدينة لا تنظف نفسها، والغابة لا تحرس نفسها، والأشجار لا تستطيع أن تشتكي، لكنها تشهد على الذين مروا من هنا وعلى الذين تركوا وراءهم ما تركوا.
وأم بارونة ليست مجرد أشجار، إنها ذاكرة مدينة.
نحن بارعون في الحنين، لكننا أقل براعة في الصيانة! نحب الأماكن القديمة في الأغاني، ونحكي عنها في المجالس، ثم نتركها للزمن عندما تصبح المحافظة عليها مسؤوليتنا.
والفرق كبير بين أن نحزن على مكان فقدناه، وأن نحافظ عليه قبل أن نفقده.
فالأماكن الجميلة لا تموت فجأة؛ تموت بالتدريج: كيس هنا، قارورة هناك، شجرة تُقطع، حاوية غائبة، رقابة ضعيفة، وإهمال يتكرر حتى يصبح المشهد مألوفاً.
وهذه أخطر مراحل الإهمال؛ أن ينتقل من خطأ إلى عادة، ومن عادة إلى ثقافة، ثم يصبح شيئاً لا يثير حتى الدهشة.
نحتاج في ود مدني إلى حملة حقيقية لإنقاذ أم بارونة، لا حملة تصوير ليوم واحد ثم يعود كل شيء إلى سابق عهده.
نحتاج إلى تنظيف شامل، وحاويات مناسبة، ونظام جمع منتظم، وتشجير، وإضاءة، ورقابة، ومساحات معلومة للاستعمال العام، وعقوبات واضحة على تحويل المكان إلى مكب.
والأهم أن تتوقف فكرة أن الأماكن العامة «حق الحكومة».
لا.
المكان العام حق المواطن، ومسؤولية المواطن، وواجهة المدينة كلها.
وإذا كانت أم بارونة قد ارتبطت بذكريات الرحلات المدرسية والأسرية ورأس السنة وشِلَل الأصدقاء، فإن إنقاذها اليوم يعني أن نترك للأجيال القادمة مكاناً تصنع فيه ذكرياتها هي الأخرى.
لا نريد لأطفال الغد أن يشاهدوا صور أم بارونة القديمة ويسألوا آباءهم: هل كانت هذه الغابة موجودة فعلاً؟.
نريدهم أن يذهبوا إليها كما ذهب آباؤهم، وأن يجلسوا تحت أشجارها، وأن يلتقطوا صورهم بين خضرتها، وأن يعودوا إلى بيوتهم حاملين ضحكات الرحلة لا رائحة النفايات.
لأن إنقاذ أم بارونة ليس ترفاً بيئياً، بل جزء من احترام المدينة لنفسها.
فإذا كانت السيادة تعني أن نحمي الأرض من المعتدي، فإنها تعني أيضاً أن نحميها من الإهمال. وإذا كان الوطن حدوداً ورايةً ومؤسسات، فهو كذلك شجرة، وشارع، وميدان، وغابة، ونهر، وذاكرة.
وأم بارونة اليوم ليست بحاجة إلى من يرثيها، وإنما إلى من يعيدها إلى الحياة؛ حتى تبقى اللافتة عند مدخل ود مدني صادقة في معناها، وحتى يستطيع القادم إلى المدينة أن يبتسم فعلاً.
ابتسم… أنت في ود مدني.
لكن اجعل لهذه الابتسامة مدينة تستحقها.
