حسين خوجلي يكتب: ورقة خضراء

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

ورقة خضراء

(1)
كان أستاذنا الدكتور الراحل الشاعر العالم بابكر دشين يطلب منّا أن نكتب أسبوعياً عن شخصية في التراث. ومن كراسة قديمة وجدتُ له تعليقاً لطيفاً وتهنئة لاختياري الكتابة عن القاضي الفقيه الأديب «إياس بن معاوية». وقد كنّا نعجب لفطنة إياس وحُسن قضائه والاستدلال به في كتب الأدب والفقه والتقاضي والمذهبيات. وقد وجدتُ في بحثي عن سيرته مجموعة من الإجابات لأسئلة تصلح لأهل هذا الزمان كما صلحت لأهل الأمس، فقد جمعه الله بـ«صحافي» من أهل ذلك العهد صاحب أسئلة مُحرجة ولكن إياس بن معاوية بن قرة المزني البصري استطاع الإجابة بحصافة مما كان يمكن أن يُخرج منه «مين شيت» وأكثر في صحافة اليوم الرتيبة أو المسيخة، ولأستاذنا عبدالله الشيخ البشير عبارة مثل هذه في علم الجغرافيا زهّدتنا فيها إلى يومنا هذا، فقد حكى عليه الرحمة أن أول دخول للجغرافيا في المعهد العالي كان صعباً على الطلاب والمشائخ معاً إلى أن وجد لها شيخ المعهد تبريراً بأنها «من لزوم معرفة البلدان والعمران وطوارئ أحوال المناخ مما يؤثر على مواقيت الصلاة ورمضان ومعرفة معاش ومعاد السلم»، وقد قام على الحصة «أفندي» لئيم سأل أحد أحباب الفقه والتفسير وألفية ابن مالك عن موقع في الأرض منخفض؟ فنطقها التلميذ الشيخ مِضيق «بكسر الميم»، فصحّحه الأفندي بأنها بـ«فتحها».. فردّ التلميذ الشيخ للمدرس المتفرنج: كان بالفتح كان بالكسر «عِلماً مسييييخ!!». ومازلت على رأي المعهدي أن الطريقة التي تكتب بها علوم الجغرافيا في السودان والوطن العربي من المنَفِّرات..

(2)
سأل الصحافي المسيخ شيخنا إياس «ولا أعرف ماذا كانوا يسمّون الصحافي يومها غير «الورّاق»»، فإن كان فيكم مَن له إفادة فليفِدنا.
{ قالوا يا شيخنا إياس إنك معجب برأيك؟!
فقال إياس على الفور: لو لم أكن مُعجباً برأيي ما قضيت به!
{ وبما أنك قاضٍ وصاحب مرتبة، فلماذا تلبس هذه الثياب الدّون «أي الوضيعة»؟
فقال: لأنْ ألبس ثوباً يقيني، أحب إليّ من أن ألبس ثوباً أقِيه بنفسي.
{علمت أن جماعة من التجار ببابك حِيل بينهم والدخول لمشاغلك وهُم يسألونك النصيحة؟
فكانت إجابته إجابةً تنفع معلماً ملهماً ومرشداً لرجال الأعمال والمصارف وبنك السودان والأزمة العالمية الإقتصادية التي ما تزال آثارها باقية..
قال عليه الرضوان مُجيباً عن النصيحة الإقتصادية بقوله: قل لهم يحفظوا عني خصالاً ثلاثاً ينتفعون بها في تجارتهم:
٭ لا يشتري الرجل بأكثر من ماله. فإن كانت بضاعة «وضيعة» «أي بائرة أو خاسرة» أتت على رأس ماله وكفى.. «أي لن يصبح مديناً لأحد». قلتُ: وهذه تمنع الناس من الشيكات المرتدة وسجن ألهدى وأخوانه.
{وألا يشارك إلا شريكاً واحداً.. فإنْ أكثرَ فإثنين فإنّ الشّركاء إنْ كثروا تواكلوا.
{ولا يشتري من رجل له بضاعة ليس عنده غيرها.. فإن ألتوى أمر «أي أن تعثر أو إرتد له شيك أو إذا تعرض المشترى لمشكلة أو أصابته نكبة»، لم يعذره البائع وألحّ عليه وأساء إليه.. فاشتروا من أهل السَعة واليسار «الموسرين» فانهم يؤخّرون «قبض الثمن» ويحتملون!!
وسأله عن بعض نقائص الفقهاء والعلماء؟
فقال: لا تنظروا إلى ما يعمل الفقيه.. فإنّه قد يصنع أشياء يكرهها.. ولكن سَلْه يخبرك بالحق وهو الذي ينفعك..
٭ قال له: لقد علمنا منك فظاظة فقد رددت جائزة «الوالي» بن هبيره وقد جاوزت العشرة آلاف درهم من الذهب وقد عجب الناس أتردّ جائزة الأمير؟
فقال: لا حاجة لي فيها.. ولِمَ يعطيني؟
إن كان يتصدق عليّ فقد أغناني الله، أو هو يعطيني على عملي أجراً في الفقه والفتوى فإني لا آخذ عليه أجراً..
ومن الأجوبة المدهشة حين سأله عن المروءة؟
فأجاب: أما في بلدك وحيث تعرف فالتقوى وأما حيث لا تعرف: فاللّباس «أي حُسن المظهر والملبس».
> وقد سألوه عن رجل يشكو من سوء الحال وشدة المئونة وكثرة الإنفاق؟
فقال إياس: إن النفقة داعية «مجلبة» للرزق.. وكان إياس جالساً بين بابين متقابلين، فقال للرجل: أغلِق هذا الباب. فأغلقه.. فسأله إياس: هل يدخل الرّيح البيت؟ قال الرجل: لا.. فقال إياس: فافتحه، ففتحه.. فاندفعت الريح تدخل البيت.. فقال إياس: هكذا الرزق؛ أغلقت، فلم يدخل الريح.. وكذلك إن أمسكت لم يأتِك شيء..
قلتُ: أما هذه فغير أنها تصلح للأفراد فوجب أن تُجعل لافتة عند مدخل وزارة المالية!
(3)
أنا وحافظ إبراهيم لنا حُب خاص لسيّدنا وأبينا آدم، ولذلك كتب هو وحفظتُ عنه:
سليل الطين كم نلنا شقاءً
وكم خطَّتْ أناملنا ضريحا
وكم أرزت بنا الأيام حتى
فدت بالكبش إسحق الذبيحا
وباعت يوسفاً بيع الموالي
وألقت في يد القوم المسيحا
ويا نوحاً جنيتَ على البرايا
ولم تمنحهم الودَّ الصحيحا
علامَ حملتهم في الفُلك هلّا
تركتهم فكنْتَ لهم مُريحا؟!
أصاب رفاقِيَ القِدْحُ المعلَّى
وصادف سهمِيَ القدح المنيحا
فلو ساق القضاء إليَّ نفعاً
لقام أخوه مُعترضاً شحيحا!!