
حسين خوجلي يكتب: الناس جِروحُن تسعه وأنا لي جروح تسعين..!!
*حسين خوجلي* يكتب:
*الناس جِروحُن تسعه وأنا لي جروح تسعين..!!*
يا للبشرى فقد عادت حاجة آمنه بت السر إلى شجرة النيمة الظليلة من جديد وعادت معها الثلاثة ( قيزان) الكبيرة النظيفة اللامعة المترعة بالثلاثية الشهيرة :(ملاح التَقَلية وملاح النعيمية وملاح اللوبة) ذلك الإيدام الذي صُنع بتجويد وبحب وعلى يد أم سمراء اعتادت على صياغة الحلال.
أما الكِسرة تلك الطَرقَةُ الرهيفة من فِيتريتا الموسم فهي من نداوتها تَمُد لسانها لكل خبز أجنبي وتسخر من (الدبل زيو) القادم من أستراليا وتركيا والبراري الكندية والذي لم ننل منه إلا قلة الحِيلة و(وضعف الحَيْل ) وقيود (صندوق النقد الشرير).
وبالرغم من أن حاجة آمنة قد فقدت زوجها (الجنايني) غدراً على يد العصابة ونُهب بيتها تماماً رغم بساطة ما فيه، إلا أن الزمان الأعجف ترك لها أربعة أبناء قُصّر وابنة مطلقة لها من الأبناء ثلاثة ( صبي وابنتان) فكأنما أشارت بطرف خفي وذكي للتسعة الذين تعُولُوهم لتعداد التسعة التي .لم تمد يدها لأحد ولكنها اختارت هذه المهنة الشريفة حتى تراهم يشبون على نظافة اليد والقلب واللسان.
كان جميع الزبائن يلاحظون فيها خصلة عجيبة، ما كانت تفرض ثمناً على طبق الوجبة، وعندما يعاتبونها على ذلك كانت تقول برفق هامس (الجيعان يا وليداتي ما بقاولوهو) (وهذه لعمري نظرية اقتصادية متكاملة أرجو أن تلتقطها حكومة الأمل برئاسة بروفيسور كامل إدريس ود.جبريل إبراهيم وزير المالية) لقد كانت تقبل من كل أحد ما يدفع. قال لها أحد الزبائن الموسرين الذي جاءت به النكهة الطاعمة للوجبة السودانية الأصيلة: لماذا لا تضعين سعراً مُجزياً وتكتبيه بخط واضح على ساق شجرة النيم؟ وأضاف لمرافعته لرفع الحرج عنها: ألا تعلمين يا حجة آمنة أن الدولار قد بلغ الآن 9 ؟
فردت عليه بابتسامة شفيفة وفصيحة وموحية وثقافة سودانية مُستترة: (يا ولدي الناس جروحن تسعه وأنا لي جروح تسعين) .أقلقته عبارتها التي لم يفهمها ولكن أطربه الجواب، فصار يبحث عنها حتى وجدها في دفتر أمجاد الأغنية السودانية لأبو صلاح وهو يغنى صديقه ابن العمدة العريس (عثمان إبراهيم) الذي صار لاحقاً عمدة الخوجلاب في قصيدته الشهيرة التي صارت أكثر الأغنيات السودانية ذيوعاً والتي كان يبتدر بها أهل الحقيبة الحفلة:
مـاكنت رايق وساكن في صفاء وتأمين
فـي الـخوجلاب ياقلبي مني شالك مين
ديـل الـبروق الـشالن أم درر ياسمين
مـابين ظـل الايـك ونـفحه الياسمين
أما الأبيات التي استدلت بها حجة آمنة للسلوى والتعزية فكانت:
صاح وهبه فاقد عقله كم جريح وطعين
(الـناس جروحن تسعه وأنا لي جروح تسعين)
ومن الأسماء التي استوقفتي في هذا النص البديع:
بـقي ديـسك اطول منك ولله متقايسين
شـفنا الـضفاير جـرو للقديم كايسين
أنا شوقي دايماً زايد وماشي في تحسين
أنـا صـبري قل ويشهد بي أزاي (حسين)
عزيزي القارئ قطعاً فإن (حسين) المذكور في هذا البيت ليس (حسين خوجلي) ولكن إغراء المشابهة جعلني أرسلُ سؤال يحتاج لفتوى من أهل (الخوجلاب) الكرام من هو حسين هذا المضمن في النص؟
وبعد الإجابة المضمنة فإني أعدكم بالإفادة عن سيرة الموسيقار (مصطفى وهبة) والد كابتن المريخ الشهير (بشرى وهبة) الذي شكل مع صديق عمره (بشارة عبد النضيف ) أخطر ثنائي وسط في تاريخ الكرة السودانية.
وفي توثيق آخر يقول أبو صلاح في رائعته بدور القلعة:
حفلة يا أبو الحاج إتذكرا
ورنة الصفارة إتفـكرا
وهبه بي مزيكتو إتحكرا
كم طرب افكارنا و أسـكرا
والحاج هنا يعني بها الفنان الكبير (محمد أحمد سرور) ذلك الفنان المتفرد الذي نقل الأداء من (الطنابرة المصوتين) إلى الأغنية بالكلمات المُنغمة فقد كانت أولى المحاولات الناجحة بصوته (قصيدة العبادي):
ببكي وبنوح وبصيح للشوفتن بتريح
فرع النقا المميح منو المسك بفيح
وكتين صباحو يبيح بلـبل قلوبـنا يصيح
وكنت دائماً أقول للأصدقاء من عشاق السماع والطرب السوداني الأصيل: أن هنالك قصيدتين في الحقيبة لا يُعلى عليهما في تخليد جمال وعفاف المرأة السودانية ( قسم بمحيك البدري) لأبو صلاح التي يقول في بعض مطالعها الشرود :
1
قسم بي محيك البدري
غرامك منو ضاق صدري
حبيبي البي العلي تدري
2
المُحي نور ليلة القدري
نصب قوس حاجبو لي غدري
ومعاك في داخل الخدري
فؤادي المالكو من بدري
حياتي ونعمتي ويسري
رضيت لو يرضى بي أسري
فرض يا دموعي تنتثري
إذا منو النسيم يسري
3
حمام الايك والقمري
يصيح ينبيك عن أمري
وبين عواسلك السُمري
روايحي وفاكهتي وخمري
أراك وتوفي بي نذري
دموعي اللي الوجن تُذري
حنانك ما عليك وزري
أنا قاسيت الهوى العذري
ونص القصيدة وافر والتبعيض يفسده وظني أن الفنان الأستاذ والموسيقار الراحل محمد وردي كان بجانب ثقافته وعمقه وتمرده النبيل ينبوعاً من الألحان وقد قادته موهبته الأخّاذة والملتقطة أن يبعث هذه الأغنية من جديد، وهو نص مغنى قديم منذ الثلاثينيات لفنان الحقيبة (الفاضل أحمد) إلا أنك حين تسمعه من وردي بإضافاته الموسيقية وتوزيعه وأدائه المرفرف المسافر تظن أنه نص قادم يمشي في خيلاء من حدائق الستينيات الوريفة ذات الندى والشذى والظلال.
أما النص الآخر الذي يحالفه جمالاً ويدانيه كمالاً وهو إلياذة تنافس كل أغنيات مطربي العالم العربي رائعة (سيد عبد العزيز) الشاعر المبتكِر الفنان المالك لسطوة الروي والجْرس والأخيلة. وقد ابتدر نصه من معالي الأفكار وأشراف الأمور
يا بت ملوك النيل
يا أخت البدور
مين لي علاك ينيل
في البدو و الحضور
والجمال الواثق دائماً ما يخرُج من الأرومة الكريمة وكرام الناس وأشراف الأعراق:
الجبرة فيك بتخيل
محمية الحما
الما حام حداهو دخيل
ما كان أبوك بخيل
بت عز الرجال
أهل الدروع و الخيل
و الهناء و السرور
ويتدفق سيد شلالاً في غزل عفيف ونسيب طاهر لم ولن تدانيه أغنية قديمة أو حديثة أبداً، وفي ظني أن لا نص يستطيع أن يتجاوزه ولو مستقبلاً
غصنك رطيب و عديل
شعرك ليل
جبينك يخجل القنديل
النور عليك سديل
يا معني الجمال
الما اتوجدلو عديل
في ناس و لا حور
ودائماً ما يحرص سيد على الستر والحشمة والأناقة ويعبر ناقداً لأيامنا هذه بعبارة (عصر السفور) إذ يقول:
يا السامية ست الجيل
طرفك من حياء
في (عصر السفور) خجيل
حسنك وضع تسجيل
في صحف الدهور
يتلوهو جيل عن جيل
لي يوم النشور
ويستعرض سيد ثقافته المعاصرة بتضمين تلقائي لا نفور فيه ولا إضافة ناشزة (بالعافية)
فقتي اللي كانوا قبيل
مآخدات في الجمال
جائزة (نوبيل)
حيرتي كل نبيل
عيناك سحرهن
يسحر سحر (بابيل)
يخترق الصدور
وختام المسك كانت هذه النهاية المبهرة حيث أشرقت هذه السودانية (السمراء) ابنة الشمس وخطفت بشعاعها الأعين وأضاءت المساحات البكر ولسعت بحرارتها وجوه المتطفلين
يا صاحبة الإكليل
ما أظن النهار
العين تدورلو دليل
محياك نوره جليل
كنت أقول (شمس)
لو ما الزمان كان ليل
و إنتي عليك نور
*حاشية* :
وأذكر أنني اقترحت على مجموعة من المطربين الشباب في إحدى حلقات(مطرالألوان) بقناة (أم درمان الفضائية) رد الله غربتها، أن يختاروا مجموعة من أغنيات الحقيبة تُظهر تجلياتهم في الأداء والفهم لهذه النصوص العريقة، إلا أنني رفعت (الفيتو) في وجوههم ألا يتجرأ أحد على ( قسم بمحيك البدري) لوردي ولا (بت ملوك النيل) لكابلي ولا ( بدور القلعة )لود الأمين ولا (برضي ليك المولى الموالي) لخضر بشير ولا ( يا عين بتخافي مالك) لأبوداؤود (الكُحلي) كما كان يناجيه صديق عمره البروفيسورعلي الملك .
رحلوا جميعاً وبقي الأوباش الذين ظنوا أن غاية مبتغاهم أن يحرقوا ويبددوا ثقافة 56، تلك التي لو تعلموا من بعض شذراتها مديحاً وغناءً وألحاناً وأشعاراً وأفكاراً لما قتلوا ولما اغتصبوا ولما استباحوا ولما شوهوا وجه هذا السودان وأضافوا له كل هذه الأحقاد والبؤس الذي لا يستحقه هذا الوطن الجميل .
