
حسن بشير يكتب: عودة المواطن إلى الوطن.. السلام الذي نريده
ضربة جزاء
حسن بشير
عودة المواطن إلى الوطن.. السلام الذي نريده
إن السلام الذي ينتظره السودانيون لا يكتمل بمجرد توقف إطلاق النار أو توقيع اتفاق سياسي، وإنما تكتمل معانيه عندما يتمكن المواطن من العودة إلى منزله آمناً، ويجد أسرته في سلام، ويستعيد مصدر رزقه، ويطمئن إلى مستقبل أبنائه. فالوطن ليس مجرد أرض وحدود، بل هو حياة كريمة وأمن واستقرار وشعور بالانتماء.
لقد أجبرت الحرب أعداداً كبيرة من السودانيين على مغادرة منازلهم بحثاً عن الأمان داخل البلاد وخارجها. واليوم، فإن الحديث عن السلام يجب أن يرتبط بخطة واضحة لتهيئة الظروف التي تجعل العودة ممكنة وآمنة وطوعية، بعيداً عن الضغوط والمخاطر.
أولاً: واجب الدولة
تقع على الدولة مسؤولية أساسية في تهيئة البيئة المناسبة لعودة المواطنين، وذلك بتأمين المناطق المتضررة، وإزالة مخلفات الحرب، وإعادة تشغيل المستشفيات والمدارس ومرافق المياه والكهرباء، وتأهيل الطرق والخدمات الضرورية للحياة.
كما يتطلب الأمر وضع خطة وطنية لإعادة الإعمار، تبدأ بحصر الأضرار وتحديد الأولويات، وتوفير المساكن المؤقتة للمتضررين، ومساعدة الأسر التي فقدت ممتلكاتها ومصادر دخلها. وينبغي أن تكون العودة طوعية وآمنة وكريمة، مع إتاحة المعلومات للمواطنين بشأن الأوضاع الأمنية والخدمات المتوفرة في مناطقهم.
ثانياً: حفظ أمن المواطن وبناء مؤسسات وطنية موحدة
لا يمكن الحديث عن عودة مستقرة دون وجود أمن حقيقي يشعر به المواطن في حياته اليومية. فالأمان هو أن يتحرك الإنسان دون خوف، وأن يحمي القانون نفسه وماله وأسرته، وأن يجد مؤسسات قادرة على منع الاعتداءات وحفظ الحقوق.
ومن المتطلبات الأساسية لبناء الدولة المستقرة وجود جيش وطني موحد، ومؤسسات أمنية تعمل وفق الدستور والقانون، وتؤدي واجباتها في حماية الوطن والمواطن وصون سيادة البلاد. كما أن تنظيم الشؤون العسكرية والأمنية وفق ترتيبات وطنية وقانونية واضحة يمثل خطوة مهمة نحو منع تجدد النزاعات، وتعزيز الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
إن الأمن الذي ننشده ليس مجرد غياب أصوات الرصاص، بل هو شعور المواطن بأن حياته وحقوقه وممتلكاته مصونة، وأن القانون يسري على الجميع دون تمييز.
ثالثاً: فرص العمل وعودة عجلة الإنتاج
إن المواطن الذي يعود إلى منزله ولا يجد عملاً أو مصدراً للدخل سيظل يواجه معاناة قاسية، حتى إن توقفت الحرب. لذلك، فإن إعادة الإعمار يجب ألا تقتصر على المباني والطرق، بل ينبغي أن تشمل إعادة الحياة إلى الأسواق والمصانع والمشروعات الزراعية والخدمية.
ومن المهم توفير فرص العمل للشباب، ودعم صغار المنتجين والمزارعين والرعاة وأصحاب الأعمال، وتسهيل عودة المشروعات الصغيرة والمتوسطة إلى نشاطها. كما يمكن أن تصبح مشروعات إعادة الإعمار نفسها مجالاً لتشغيل المواطنين وتدريبهم، بما يساعد على تحسين مستوى المعيشة وتقليل الاعتماد على المساعدات الإنسانية.
فالعمل ليس مجرد وسيلة لكسب المال، وإنما هو طريق لاستعادة الكرامة والثقة بالنفس والمشاركة في بناء الوطن.
رابعاً: واجب المواطن في مرحلة السلام
كما أن للدولة واجباتها، فإن للمواطن دوراً مهماً في حماية السلام والمحافظة عليه. ويبدأ ذلك بنبذ خطاب الكراهية، وعدم الانسياق وراء الشائعات، واحترام القانون، والمحافظة على الممتلكات العامة، والمساهمة في إصلاح ما تضرر متى توافرت الإمكانات.
ويتطلب بناء المجتمع بعد الحرب تعزيز قيم التسامح والتعايش، ومعالجة الخلافات بالطرق السلمية، وعدم تحميل المجموعات الاجتماعية مسؤولية أفعال الأفراد. فالعدالة مسؤولية المؤسسات المختصة، ولا يجوز أن تتحول المظالم إلى مبرر للانتقام أو الاعتداء على الأبرياء.
إن المواطن شريك في صناعة السلام، لكنه ليس بديلاً عن الدولة في مسؤولياتها الأساسية تجاه الأمن والخدمات والعدالة.
خامساً: دور المنظمات الحقوقية والإنسانية
تؤدي المنظمات الحقوقية والإنسانية دوراً مهماً في توثيق الانتهاكات، ومساندة الضحايا، وتقديم المساعدات، والدفاع عن حقوق النازحين واللاجئين، والمساهمة في توفير المعلومات التي تساعد على العودة الآمنة.
كما يمكنها الإسهام في برامج الدعم النفسي والاجتماعي، ولمّ شمل الأسر، ومساعدة الأطفال على استئناف التعليم، وتقديم الدعم القانوني للمتضررين، ومتابعة أوضاع الفئات الأكثر احتياجاً.
وينبغي أن تعمل هذه المنظمات باستقلالية ومهنية وشفافية، وأن تحترم خصوصية الضحايا وكرامتهم، وأن تنسق جهودها مع الجهات المختصة والمجتمعات المحلية، بما يضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها دون تمييز.
سادساً: السلام لا يعني إسقاط الحقوق
إن تحقيق السلام لا يستلزم إهدار حقوق الذين فقدوا أعزاءهم أو تعرضوا للانتهاكات أو فقدوا ممتلكاتهم. فالحقوق الخاصة تظل لأصحابها، ولا يجوز التصرف فيها نيابة عنهم دون إرادتهم الحرة، وفقاً للقانون. أما الحق العام، فتتولى الجهات المختصة حمايته وإنفاذ القانون بشأنه.
ومن هنا، فإن المصالحة الوطنية ينبغي أن تقوم على الاعتراف بالمعاناة، ومعالجة المظالم، واحترام حقوق الضحايا، وتحقيق العدالة وفق الإجراءات القانونية. فالسلام الذي يحفظ الحقوق يساعد على بناء الثقة، بينما يؤدي تجاهل المظالم إلى بقاء أسباب الاحتقان.
ولا تعني الدعوة إلى التسامح نسيان معاناة المتضررين، كما لا تعني المطالبة بالعدالة فتح أبواب الانتقام. إنما المطلوب هو طريق وطني يجمع بين إنصاف الضحايا، واحترام القانون، ومنع تكرار الانتهاكات.
أخيراً: العودة مسؤولية وطنية مشتركة
إن عودة المواطن السوداني إلى وطنه ليست مجرد حركة من مكان إلى آخر، بل هي استعادة لحياته وكرامته وحقه في العيش بأمان. ولهذا، فإن نجاح العودة يرتبط بتكامل الأدوار بين الدولة والمجتمع والمنظمات الإنسانية والحقوقية، وبوجود رؤية وطنية واضحة تربط الأمن بالخدمات، والخدمات بفرص العمل، وإعادة الإعمار بالعدالة.
نريد أن يعود السوداني إلى داره مطمئناً، وأن يجد المدرسة مفتوحة لأبنائه، والمستشفى قادراً على خدمته، والسوق نابضاً بالحياة، وأن تتوافر له فرصة عمل تعينه على إعالة أسرته.
نريد سلاماً يعيد الثقة بين أبناء الوطن، ويحفظ كرامة الإنسان، ويصون حقوقه، ويؤسس لدولة قوية بمؤسساتها، عادلة في قوانينها، وقادرة على حماية مواطنيها وتوفير مقومات الحياة الكريمة لهم.
سلام السودان بإرادة وطنية، وعودة المواطن بكرامة وأمان، وعدالة تحفظ الحقوق، ومؤسسات وطنية موحدة تعمل وفق الدستور والقانون، واقتصاد يفتح أبواب العمل والإنتاج.
فذلك هو السلام الذي يستحقه السودان، وهو الطريق نحو وطن يتسع لجميع أبنائه، ويمنح الأجيال القادمة فرصة للحياة بعيداً عن الخوف والحرب.
