
إبراهيم عيسى هدل يكتب: أكتوبر ثورة بلا منجزات
أكتوبر ثورة بلا منجزات
إبراهيم عيسى هدل
أطاحت ثورة أكتوبر عام ١٩٦٤م بحكم الرئيس الراحل الفريق إبراهيم عبود، في أول ثورة شعبية حدثت بأفريقيا والعالم العربي، فحين عجز الساسة عن الصبر على حكومة الزعيم إسماعيل الأزهري، تآمر السيدان عبدالرحمن المهدي وعلي الميرغني وأسقطا الزعيم بعد ستة أشهر من رفع علم الاستقلال على سارية القصر، وأتيا بحكومة الأميرلاي عبد الله بك خليل، سكرتير عام حزب الأمة، الذي انقلب على نفسه بعد أقل من عامين وسلم الحكم تسليماً للعسكر في ١٧ نوفمبر عام ١٩٥٨م، قاطعاً الطريق على عودة الأزهري للحكم مجدداً عبر جلسة سحب الثقة من حكومته في البرلمان.
بدأ المجلس الأعلى للقوات المسلحة بقياده الفريق إبراهيم عبود عهده بتعلق الدستور وإلغاء الأحزاب، بالرضا والتأييد الذي ناله من قبل كل من إمام الأنصار ومرشد الختمية، فعملت الأحزاب على إسقاط حكم العسكر وكانت مشكلة الجنوب المتمرد على سياسة حكومة عبود في التعريب والأسلمة، وقوداً للاحتجاجات والمظاهرات الصاخبة بتضامن طلاب جامعة الخرطوم وأساتذتهم، ثم أضرب الموظفون وعمال المواصلات فقمعت الحكومة الاحتجاجات، وأصابت رصاصة طائشة الشهيد أحمد القرشي عندما اقتحمت الشرطة ندوة جامعية أقيمت في ٢١ أكتوبر عام ١٩٦٤م، وكانت نقطة البداية وشرارة الثورة، حيث اندلعت المظاهرات في أرجاء البلاد بعد تشييع القرشي، وردد المتظاهرون شعار “إلى القصر حتى النصر”، وبعد مقتل القرشي بأربعة أيام، ألمح عبود إلى بقائه في السلطة حتى تشكيل الحكومة، وما لبث بعد أسابيع أن أعلن عن تنحيه وتسليم السلطة كاملة لحكومة جبهة الهيئات، برئاسة الأستاذ سرالختم الخليفة.
تشكلت حكومة سرالختم الخليفة وبقيت البلاد تحت رئاسة الفريق عبود، وذهب وفد من الأحزاب لإقناعه بالتنحي إثر الثورة الشعبية على نظامه، بحسب إفادات تلفزيونية للسيد الصادق المهدي كشاهد على العصر، كما كافح صهره د.حسن الترابي دون محاكمة الفريق عبود ومجلسه العسكري لأنهم سلموا السلطة طواعية، في نموذج فريد لتسامح السودانيين في تلك الأيام، بخلاف ما حدث حينها بالعراق مثلاً، من إعدام انقلاب عبدالكريم قاسم للعائلة الهاشمية المالكة بلا محاكمة “الملك فيصل والأمير عبدالإله وأسرهم وبعض حاشيتهم” في باحة القصر، كما أُعدم فيما بعد مطارداً رئيس الوزراء نوري السعيد، وما لبث أن لقي عبدالكريم قاسم ذات المصير بالإعدام بمبنى الإذاعة العراقية على يد البعثيين المنقلبين عليه عام ١٩٦٣م.
الشاهد في الأمر أن الثورات الشعبية السودانية لا تعدو كونها تغييراً لوجوه الحكام، وانتقالاً من مرحلة سياسية عسكرية قابضة، لأخرى حزبية فوضوية، لا يجنى منها الشعب منجزاً تاريخياً ملموساً في واقع حياته ومعاشه، فيبدأ تدريجياً في الإحباط والتحسر على حكم العسكر، كما قيل للفريق عبود “ضيعناك وضعنا وراك” بعد ثورة أكتوبر ٦٤ وكهتاف البعض للنميري “أبو عاج ولا النعاج” بعد انتفاضة أبريل ٨٥، وتمنى آخرون عودة الرئيس البشير عقب تغيير أبريل ٢٠١٩م. لتبقى ذكرى ثورة أكتوبر فيما خلدته القصائد الوطنية مثل: “أكتوبريات” محمد المكي إبراهيم وغناء محمد وردي، و”الملحمة” لهاشم صديق وغناء محمد الأمين ــ رحم الله الجميع ــ وغيرها من الأغنيات الحماسية المعبرة عن آمال وأشواق الترف الثوري اليساري السائد بالستينيات وجعجعة شعاراته الطوباوية بلا طحن.
