
مقتطفات من ديوان (إشراقة) للتجاني يوسف بشير
مقتطفات من ديوان (إشراقة) للتجاني يوسف بشير
بقلم: أمير أحمد حمد
(فاحتفظها ذكرى)
يا أنيس الحياة يقطر منك الطيب نبلا وتعبق الأخلاق نفسك الحلوة الحبيبة للنفس
عليها من السنا أنماط يتعرى الكمال والخير فيها فيضيئان ما ترى الآفاق
هي دنيا للصالحات موشاة بما يرتضي وما يسترق في حواشيها وفي مستواها
ينبت الورد والندى البراق أشربت في الصبا النعيم فشبت وعليها من النعيم ائتلاف
برمت بالحياة لهوا فجدت من صباها محروسة ما تعاق
صانها الله والقلوب الحريصات عليها والخوف والإشفاق
إنما خطوها وذوب إلى المجد وما للصبا على الطفر ساق
صنع الله من دمانا الأماني فعجت بسيلها الأعراق
فالفتى الحر من أثار الدم الحر فطارت به الخيول العتاق
من آثار المُنى يعز مداها فإذا بالمُنى عنان مساق
من إذا شاء أن يكون كما شاء فما بينه وبين ذلك اعتياق
من إذا شاء أن يكون هزارا كأنيس يشدو فتشدو العراق
يدفع الصخر حوله وهو ماض قدما لا تناله الأعناق
أيها الشاعر الكريم هفا القلب إليكم وهاجت الأشواق
بينما ليس بيننا خطوات لكن الألف ليس منه انعتاق
يا أخا الروح عادني منكم الغيث كثير وليس فيه ابتيراق
غمرتني نعمى يديك على حين تجنت على هواي الرفاق
خرجوا سالمين منه بحمد الله في زورة عداها النفاق
ما على القلب منهم وبحسبي صاحب ملء روحه اشفاق
أيها الشاعر المجد ومجد الشعر مما تدوّي به الآفاق
أرأيت الصديق يأكله الداء ويشوي عظامه المحراق
مارد هذه السقام ولكن صبره الجميل للضنى دفاق
جف من عوده الندى فتعري وتنفت من حوله الأوراق
وذوي قلبه النضير وقد كان له في زمانه تخفاق
رحم الله عهده فلئن عاد فعندي لدهرنا ميثاق
وأنا اليوم لا حراك كأن قد شد في مكن القوى أوثاق
بت أستنشق الهوى اقتيسارا نفس ضيق وصدر طاق
وحنايا معروقة وعيون غائرات ورجفة ومحاق
ما لنا دون ذا احتيال فإن الله في علمه الشؤون الدقاق
لي رجاء في رحمة الله لما وسعت في الحياة ما لا يطاق
فالشقاء الشقاء يا رب والعفو وزدها قوى أذاها الوثاق
كيف أجزيك يا أنيس وما لي من يد بالجزاء مثلي تساق
فالقريض الذي تقدر لا أعلم إن كان في الجزاء يستشاق
فاحتفظها ذكرى فإن مت فاقرأ بينها الحب ما عليه مذاق
أو حيينا فسوف نقرأ فيها فترى لا أعادها الخلاق
آخر ما كتب شاعر الخلود والجمال التجاني يوسف والتي يصف فيها حالته الصحية قبل مغادرة هذه الدنيا وكيف تجنى عليه الرفاق حينما احتجبوا عن زيارته بسبب داء الصدر القاتل في ذلك الزمان، ولكن ظل صديقه الوفي دكتور أنيس الوحيد الذي لم ينقطع عن زيارته فكان أن مدحه بطيب الأخلاق ونبلها في أبيات القصيدة.
وقد أصاب ذات المرض من شعراء بلادي وكتبوا قصائد تحمل نفس المعنى الذي ذهب إليه التجاني وهما الشاعر خليل فرح فكتب مودعا روحه بأغنية (ماهو عارف قدمو المفارق) والشاعر خضر حسن سعد الذي كتب أغنية (ما شقيتك انت الشقيتني) التي تغني بها الفنان حسن سليمان الهاوي والشاعر مصطفي بطران الذي كتب أغنية دمعة الشوق كبي ويظهر معاناته حينما يقول (صدري مزماري والدموع شربي).
اختار التجاني لهذه القصيدة قافية مريحة للأذن (القاف)، وقد أبحرت في بحر من البحور الشعرية المركبة وهو بحر الخفيف الذي يعتمد على تفعيلتين أساسيتين: فاعلاتن ومستفعلن، بعد دخول الزحافات والعلل عليها.
ويلاحظ في قصائد التجاني أن معظمها لا يخلو من عملية التدوير، والتدوير يعني كسر التفعيلة بين شطري البيت، بمعنى أن تجد الكلمة منقسمة ما بين نهاية صدر البيت (العروضة) وبداية عجز البيت (الضرب). وبيت شعر مثل هذا يسمى عند أهل العروض بالبيت المدور.
رحم الله التجاني يوسف بشير الذي مضى سريعا من هذه الدنيا عن عمر لم يتجاوز الـ 25 عاما، ولكنه ترك كلمات معبرة، ومازال تفسيرها قد أعيا النقاد والباحثين في مجال الشعر والأدب. والرحمة والمغفرة للشعراء خليل فرح وخضر حسن سعد ومصطفى بطران.