بي بي سي: تتبع الهواتف يكشف شبكة الدعم الإقليمية للمليشيا

رصد: ألوان

سلطت تحقيقات صحفية، أجرتها بشكل خاص هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) وصحيفة “ديلي ترست”، خلال اليومين الماضيين، الضوء على أدلة جديدة تكشف عن دور شبكات إقليمية معقدة في تأجيج النزاع السوداني، وذلك بعد تتبع هواتف مرتزقة كولومبيين يقاتلون في صفوف مليشيا الدعـ م السـ ريع.

تفاصيل شبكة المرتزقة الكولومبيين:

كشف التحقيق الذي أجرته منظمة “مجموعة رؤى الصراع” (Conflict Insights Group – CIG)، وهي منظمة متخصصة في التحليل الأمني والبحث باستخدام التكنولوجيا المتقدمة وتحليل البيانات، عن مسار رقمي لشبكة دولية تعمل على نقل المقاتلين من كولومبيا إلى السودان، مروراً بمراكز لوجستية إقليمية.

ذئاب الصحراء:

استخدم المحققون بيانات تتبع أكثر من 50 جهازا هاتف جوّال لمقاتلين كولومبيين خلال الفترة من أبريل 2025 إلى يناير 2026، ليكتشفوا أن خط سيرهم يمر عبر الإمارات العربية المتحدة، وبالتحديد منشأة تدريب عسكري في غياثي بأبوظبي.
ويعمل المرتزقة ضمن لواء يُعرف باسم “ذئاب الصحراء” (Desert Wolves)، ويقوده العقيد الكولومبي المتقاعد ألفارو كويجانو، المقيم في الإمارات والذي فرضت عليه عقوبات من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
أظهرت البيانات أن المرتزقة استخدموا شبكات واي فاي بأسماء إسبانية خلال عملياتهم، مثل “ATACADOR” (مهاجم) و”DRONES” (طائرات بدون طيار)، مما يؤكد وجودهم في مناطق العمليات مثل نيالا والفاشر .

مسارات التهريب وقنوات الدعم

لم تقتصر الشبكة على الجانب البشري فقط، بل شملت عمليات لوجستية متكاملة لنقل الأفراد والعتاد عبر عدد من مسارات التهريب هي:
١ – خطوط الإمداد عبر ليبيا: حيث لفت التقرير النظر إلى تقرير للأمم المتحدة الذي أشار إلى دور “كتيبة سبل السلام” الليبية التابعة لخليفة حفتر في تسهيل نقل المقاتلين الكولومبيين السابقين والأسلحة والوقود إلى قوات الدعـ م السـ ريع عبر بلدة الكفرة جنوب شرق ليبيا .
٢ – الممر الصومالي: تم رصد المرتزقة وهم يمرون عبر مجمع لقوة شرطة بونتلاند البحرية في بوصاصو بالصومال، وهو منشأة يُقال إن الإمارات مولتها بشكل كبير وتُستخدم كنقطة عبور للمرتزقة القادمين من أمريكا الجنوبية.
٣ – الشحن الجوي: رصدت تحقيقات مجموعة رؤى الصراع 143 رحلة لطائرات شحن من طراز “إليوشن-76” هبطت في الكفرة الليبية بين أبريل وديسمبر 2025، في تحول عن مسارات الإمداد السابقة التي كانت تمر عبر تشاد .

دور المرتزقة في معركة الفاشر

ويشير التحقيق إلى أن معركة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، كانت نقطة تحول رئيسية أبرزت بشكل جلي دور المرتزقة الأجانب. فقد أكد التحقيق أن سقوط المدينة في أكتوبر 2025 بعد حصار دام 18 شهراً تخللته فظائع واسعة النطاق، كان مرتبطاً بشكل مباشر بالدعم الذي قدمه المرتزقة.
ويمضي التحقيق لإثبات المشاركة المباشرة لأولئك المرتزقة الذين أكدت البيانات وجودهم داخل المدينة خلال أيام سقوطها، حيث عملوا كقائدي طائرات بدون طيار ومدفعية، مما وفر تفوقاً عسكرياً حاسماً لقوات الدعم السريع.
خلص التقرير إلى أنه “لولا هذا الدعم الأجنبي، لما كان من الممكن أن يحدث الحصار الذي دام 18 شهراً والاستيلاء والفظائع الناتجة عنه”. وقد وثقت جهات دولية عمليات قتل جماعي وعنف جنسي ومجاعة استخدمت كأسلوب حرب.

في مقابل هذه الأدلة الدامغة، تواصل دولة الإمارات نفي أي تورط لها في دعم المليشيا.
وينتهي التحقيق إلى أن الأدلة المستخلصة من تتبع الهواتف وبيانات الأقمار الصناعية تشير إلى أن استمرار الحرب في السودان يعتمد بشكل كبير على شبكات الدعم الخارجي. ولهذا يؤكد جاستن لينش، مدير مجموعة “رؤى الصراع”، أن هذا التحقيق هو “أول بحث يمكننا من خلاله إثبات تورط أبوظبي بشكل مؤكد”، مضيفاً: “نحن نعلن ما عرفته الحكومات منذ فترة طويلة – أن هناك رابطاً مباشراً بين أبوظبي وقوات الدعـ م السـ ريع”.
وفي الختام يؤكد هذا التحقيق الاستقصائي أن الحرب في السودان تحولت إلى صراع دولي معقد، تغذيه تدفقات المرتزقة والأسلحة عبر قارات عدة، مما يزيد من تعقيد أي جهود تهدف إلى تحقيق السلام وإنهاء الأزمة الإنسانية المتفاقمة.