المهندس صلاح حسن مطر .. رجل البر ومؤسس دار العمارة

المهندس صلاح حسن مطر .. رجل البر ومؤسس دار العمارة

بقلم: صلاح الدين عبد الحفيظ

في مدينة ود مدني، بين أزقة البسطاء وبيوت الكادحين، وُلد في أربعينيات القرن الماضي طفل قد لا يميزه أحد في لحظة ميلاده عن غيره من أبناء الحي، غير أن الأيام أثبتت أنه سيغدو علَماً من أعلام الكفاح والبر والإنجاز. ذلك الطفل هو صلاح حسن مطر، الذي ستخلّد سيرته إرادة لا تلين. وُلد صلاح حسن مطر في كنف أسرة بسيطة لا تملك من الدنيا سوى قوت يومها، لكنها غنية بالقيم والمروءة. تكوّنت حوله شبكة من الإخوة والأخوات الذين شكّلوا ركيزة حياته وسبقه إلى الحياة أخواته: حاجة، أمونة، ونفيسة، وإخوته الأشقاء: شريف، الفنان التشكيلي المرهف؛ بابكر، الذي ترك بصمة واضحة في الإعلام والتلفزيون السوداني؛ وأخوه الأكبر من والدته ميرغني. ومن والده الحاج حسن مطر، كان له إخوة آخرون: زين العابدين الرجل المتدين الذي عمل في “البوستة”، أحمد الملقب بـ”السندباد السوداني” ومؤسس البروتوكول السوداني، الذي خلّد التاريخ سيرته بما حملت من مغامرات ومواقف بطولية. وأخته سنية الطيبة الحنونة التي كانت جسر الوصال وابتسامة الحياة.

 

نشأ صلاح بين هذه الكوكبة، في رعاية أم مكافحة هي الحاجة ستنا صالح الدويحي التي غرست في أبنائها الصبر وقيمة العمل. وبين محبة الإخوة وتكاتف الأسرة، تفتّح وعيه مبكراً، ونما كالصخرة الصلبة، يستقي من بيئته قوة الإرادة، ويشقّ طريقه الخاص بطموح لا يلين وعزيمة لا تعرف التراجع.
نما صلاح كالصخرة الصلبة، ينهل من قيم أسرته قوة الإرادة، ويصوغ لنفسه مساراً خاصاً.

التعليم وبدايات الطريق

بدأ دراسته في مدرسة البندر الأولية، ثم في المدرسة الأهلية، قبل أن يكمل في المدرسة العربية الثانوية. اختار لاحقاً دراسة الهندسة المعمارية بالمعهد الفني، ليضع أولى لبنات مستقبله المهني. التحق بعدها بوزارة الري، حيث عمل رساماً هندسياً، في زمن كانت للوظيفة فيه مكانة اجتماعية مرموقة.
لكن طموحه كان أكبر من البقاء في حدود الوظيفة. فعمل مكتب هندسي خاص ساهم في تطوير النمو الحضري لمدينة ودمدني. وبعدها شدّ الرحال إلى المملكة العربية السعودية، حيث شارك في مشاريع تنموية كبرى، بينها مشروع تطوير المدن التابع للأمم المتحدة في ستينيات القرن الماضي. هناك صقل خبراته، قبل أن يعود إلى السودان

 

دار العمارة: حلم يتحقق

 

عاد صلاح مطر ليؤسس دار العمارة للهندسة والإنشاءات المحدودة، والتي نافست كبريات الشركات العالمية. كانت له بصمة رائدة في ابتكار فكرة الشقق التمليك والتوسع الرأسي منذ الثمانينيات، كما ساهم في مشاريع السكن الاقتصادي التي هدفت إلى تمكين الأسر السودانية من امتلاك مساكن لائقة.
إبداعه الهندسي لم يكن مجرد مهنة، بل رسالة، فقد حرص على الجودة العالية وطهارة اليد، حتى صار اسمه مرادفاً للثقة والإنجاز.

 

رجل البر والمجتمع

لم ينسَ مطر جذوره ولا أهله، فكان بيته وُجهة مفتوحة للفقراء والضيوف، وظل عطاؤه ممتداً بلا حدود. أورث أبناءه وبناته هذه القيم؛ هاشم، غادة، سحر، رنا، نجومي، روعة، حسن، سمؤال، ستنا، سالي وسبابل.
صلاح مطر كان نموذجاً للرجل السوداني الذي يُجسد البرّ والكرم والوفاء، عاش لأسرته وأصدقائه وجيرانه، وبقي بيته رمزاً للكرم والدفء. وفي قلبه، ظل الوطن دائماً فوق كل اعتبار، يحمل همومه ويعمل من أجله بصمت

الرياضي المطبوع

 

ارتبط اسم صلاح بالرياضة، لاعباً ومخططاً وإدارياً، فكان جزءاً من تاريخ نادي الرابطة لاعباً، ثم اتحاد مدني إدارياً، وصولاً إلى المريخ العاصمي الذي تولى فيه منصب أمين الخزينة. ومع ذلك ظل يحمل محبة خاصة لـ نادي التحرير البحراوي.

الصحافة والاستنارة

إلى جانب الهندسة والعمل التجاري، كان صلاح حسن مطر قارئاً نهماً وكاتباً جريئاً. كتب مقالات تحليلية في التاريخ والسياسة، وصدر كتابه “في الصميم” الذي عُرف بصدقه وصراحته. كثيراً ما وُصف بأنه “الناطق الرسمي باسم الأغلبية الصامتة”، حتى أن صراحته جرّت عليه استدعاءات أمنية واعتقالات متكررة.
أحب وطنه بصدق، فكان يكتب مقالاته التحليلية الجريئة دفاعاً عن قضايا الناس، لا يخشى في الحق لومة لائم. كان مجلسه الأسبوعي بمثابة منبر وطني يجمع المثقفين والرياضيين والإعلاميين، حيث تتلاقى الأفكار والقلوب على محبة.

وفاته

في الثالث من مارس عام 2016، أسدل القدر ستاره على حياة صلاح مطر. لكن رحيله لم يكن غياباً، بل ميلاداً لسيرة تُروى. شيّعه أهله وأحباؤه في وداع يليق برجلٍ عاش مع الناس ولأجلهم. ترك خلفه صروحاً عمرانية شاهدة على إبداعه، ومبادرات خيرية باقية في ذاكرة الناس، وسيرة إنسان عاش بشرف وكرامة، لا يخشى في الحق لومة لائم، ولا يرضى بغير الصعود طريقاً. رحل المهندس صلاح حسن مطر، لكن اسمه سيبقى محفوراً في ذاكرة الوطن وأهله. لم يكن مجرد رجل أعمال ناجح أو مهندس بارع، بل كان وطنيّاً عاشقاً لأرض السودان، مخلصاً في عطائه، مؤمناً أن الخير لا يكتمل إلا إذا وصل إلى بيوت البسطاء والمحتاجين. لقد ترك إرثاً من المشاريع العمرانية، ومن المواقف الوطنية، ومن الكلمات الصادقة التي ستظل تتردد بين الأجيال. وإن كان جسده قد غاب، فإن روحه باقية في كل لبنة بناها، وفي كل يد شكرته، وفي كل قلب أحب السودان مثله.